فقال لى:"يا عائشة هذه معاتبة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة، حتى البضاعة يضعها في كمه، فيفقدها فيفزع لها، فيجدها في ضبنه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج الذهب الأحمر من الكير". الضبن: ما بين الإبط والكشح. والأحاديث كثيرة في أن المرض يمحص المؤمن، وينقى نفسه، ويغسل ذنوبه. عن عبد الرحمن بن أبى بكر: أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"إنما مثل العبد المؤمن حين يصيبه الوعك والحمى كحديدة تدخل النار فيذهب خبثها ويبقى طيبها". وذلك طبعا للصابر المحتسب، المستكين لقضاء الله الراجى عفو الله. وقد بلغ من فضل الله على المؤمنين به أن فتح لهم باب الأمل في واسع مغفرته، إذا صدقوا الصبر في عناء ليلة واحدة. فعن الحسن ـ يرفعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ـ"إن الله ليكفر عن المؤمن خطاياه كلها بحمى ليلة". وفى رواية: كانوا ـ يعنى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يرجون في حمى ليلة كفارة لما مضى من الذنوب. ونحن نعرف أن توبة نصوحا تغمر قلب امرئ في ساعة من ليل أو نهار تطهر ماضيه كله، وأن رحمة الله وسعت كل شىء. بيد أننا نحسب حديث الحسن وأمثاله إنما يصور السبب المباشر لنيل المغفرة، ولا يصور الأسباب كلها. إن الحروب الكبرى قد تقع إثر حادث محدود أو اشتباك تافه. فهل هذا أو ذاك هما أسباب الحرب؟ كلا، إن الخلافات الماضية، والعداوات الأصيلة، والقوى المعبأة، والرغبات الكامنة في تسوية الموقف هى التى تشعل نار الحرب وتستبقيها سنين عددا. وما الحادث الذى وصفوه بأنه سبب الحرب إلا الفرصة التى انتهزت لتفريغ ما في النفوس، كذلك القول بأن صداعا يصيب المؤمن يكفر عنه ما مضى. الحق أن أصل الصبر في نفسه، واختلاط هذا الصبر بأحواله وأعماله كلها هو الذى رشحه لما رأينا. وحال ليلة يعد من نظرنا أنموذجا لشمائل حياة، كما قيل لدريد: تقول: ألا تبكى أخاك؟ وقد أرى مكان البكا، لكن بنيت على الصبر! ص