وهذا الكفاح محك قاس للأخلاق والمسالك، فإن اللهفة على تأمين المعايش قد تلجىء أصحابها إلى الختل والتلون أو الكذب والحيف. وربما وجدت الضعاف يتملقون الأقوياء، والصغار يذوبون في الكبراء. والإسلام يرفض أن يكون الكدح وراء الرزق مزلقة لهذه الآثام كلها، ومن ثم فهو يطلب بصرامة أن يكون الارتزاق من أبواب الحلال المحض، وألا يلجأ مسلم أبدا إلى غش أو ذل أو ضيم ليجتلب به ما يشاء: الوسائل التى حددها الشارع هى وحدها الأسباب الشريفة التى يقوم بها ثم يقف عندها مرتقبا في ثقة ما تتمخض عنه من نتائج. والتزام التقوى في معالجة هذه الشئون وأمثالها هو منطق الإسلام، وهو منطق منتج لا عقيم قال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه) . والتقوى هنا رعاية الشرف في التكسب، والاستقامة في الطلب، فإن إلحاح الرغبة في طلب الكفاف أو في طلب الثراء قد يدفع إلى اللؤم والعوج. وحجزا للنفوس عن هذه المهاوى يقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"لا يحملنكم استبطاء الرزق أن تأخذوه بمعصية الله، فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته". وغرسا لفضيلة التوكل عند طلب الرزق روى الغزالى في الإحياء هذه الآثار. قرأ الخواص قوله تعالى: (وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا) فقال: ما ينبغى للعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله تعالى. وقيل لبعض العلماء في منامه: من وثق بالله تعالى فقد أحرز قوته، وقال بعض العلماء: لا يشغلك المضمون لك من الرزق عن المفروض عليك من العمل فتضيع أمر آخرتك ولا تنال من الدنيا إلا ما قد كتبه الله لك. وقال يحيى بن معاذ: في وجود العبد الرزق عن غير طلب دلالة على أن الرزق مأمور بطلب العبد. قال إبراهيم بن أدهم: سألت بعض الرهبان: من أين تأكل؟ فقال لى: ليس هذا العلم عندى ولكن سل ربى من أين يطعمنى؟. 213