وقال هرم بن حيان لأويس القرنى: أين تأمرنى أن أكون؟ فأومأ إلى الشام. وقال هرم: كيف المعيشة؟ قال أويس: أف لهذه القلوب قد خالطها الشك فما تنفعها الموعظة. وقال بعضهم: متى رضيت بالله وكيلا وجدت إلى كل خير سبيلا، نسأل الله تعالى حسن الأدب. وهذه الآثار لا تعنى إلا رفع كبوات البؤس أو زجر نزوات الطمع، فإن البشر في هذه الميادين يفتقرون إلى علاج شديد. لقد رأينا ذل الفقراء وشره الأغنياء وراء المال يفعل الدواهى فلا جرم أن ترد الآثار تلطم هذا التطرف كيما ترده إلى سواء السبيل. ولكن هذه التعابير التى يقصد بها إشاعة الثقة في أرجاء النفس الإنسانية حتى لا تضرع وتجزع انقلبت دلالاتها في بعض النفوس ففهمت منها ما لا يجوز أن يفهم، فهمت منها أن السعى باطل، وأن السكون دين، وفى ذلك يقول رجل مهزوم أطاش العجز لبه: والسعى للرزق ـ والأرزاق قد قسمت ـ بغى ألا إن بغى المرء يصرعه ويقول آخر: حرى قلم القضاء بما يكون فسيان التحرك والسكون جنون منك أن تسعى لرزق ويرزق في غشاوته الجنين وهناك موطن آخر للتوكل يستحب فيه ذكر الله، والاطمئنان إليه، ويكون الإيمان بالغيب فيه مصدر أنس وقوة لأصحابه. ذاك موطن الكفاح الذى يحمل عبئه أصحاب الرسالات، ويتعرضون فيه لمخاوف مزعجة، ولا يثبتون فيه على الروع والغبن إلا لأملهم في الله واستنادهم إليه. وإلا بالتوكل الذى ينير أمامهم ظلمات الحاضر، ويجرئهم على مواجهة الجبروت بعزم. والقوى الشريرة التى يواجهها حملة الدعوات ليست عدوا سهلا، وإنقاذ الحقائق الكبيرة والحقوق الضائعة من بطش هذه القوى عمل يقترن بالمعجزات. فإن الاستكانة المطلقة التى تغمر الأفئدة وتطويها على الخوف من هؤلاء الأقوياء الأشرار تجعل انتصاب المصلحين أمامهم، والدخول في معركة مريرة لاستئصالهم ـ تجعل ذلك حلا فادح الثقل مرهوب العقبى. 214