فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 220

وإننا ـ لطول ما بلونا ـ نقدر موقف موسى وأخيه عندما أمر بالذهاب إلى فرعون ونصحه، فقالا: ( ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى * قال لا تخافا إنني معكما أسمع و أرى) . إن الشعور بصحبة الله هو المؤنس في هذه الوحشة، وهو المشجع في هذه الرهبة، وذاك معنى التوكل في تلك المواقف. وهو ما نزل به الوحى على قلب الرسول عليه الصلاة والسلام أول ما طرقته الرسالة فقال الله له: (واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا * رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا * واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا) . ونحن نجد التوكل على الله هو المعنى الشريف الجليل الذى يلوذ به المكافحون، ويرقبون معه مستقبل رسالتهم، ومطلع الفجر وسط ما يخيم عليهم من إظلام. إنه ليس فقط القوة المعنوية التى يتحاملون بها على جراحاتهم بل هو كذلك اللفظ المنغوم الذى يجرى على ألسنتهم ويسمعه منهم خصومهم وهم يناقشونهم: (وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون * وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون) . عندما يطلب من أولئك المؤمنين الصابرين أن يشتروا حياتهم وراحتهم واستقرارهم بنبذ الإيمان، والعودة إلى الضلال القديم يأبون إلا الصمود على الحق، وتحمل الأذى في سبيله فيقولون: (قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) وأساس هذا الثبات والرجاء أن مرد الأمور على تطاول الزمن إلى الله، وأنه إذا وهب النصر فلن يعترضه أحد، وأنه ناصر جنده لا محالة، وأن الباطل يأخذ جولته ثم يتلاشى، وأن ليس أمام أهل الإيمان إلا التعويل على الله والتأميل فيه: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت