_21 ص
وعاطفة الحب الإلهى إذا انقذفت في فؤاد مؤمن فإن الله هو الذى أولى هذا الشرف. وأفاء تلك النعمة، وليس أحد يملك أن يفرض على الله صداقته. حقا إنه ـ تبارك اسمه ـ لا يضيع زلفى متودد إليه؟ ولكنه يمنح وده من شاء صدقة منه على من اصطفى من عباده. وبديهى أن الله يعطى من تعرض لعطائه؟ ويضع الخير في الأيدى الممدودة إليه. أما من أدبر وتولى؟ فلا شىء له إلا الطرد والهوان. ومحبة الله تنغرس في قلوب العارفين به. والمعرفة كما تكون عن جهد الإنسان في الفكر، والذكر، والتأمل، والتنزيه تكون فيما يكشفه الحق عن عظمة الذات وجمالها لبصائر المتعلقين به وعلى قدر هذا الانكشاف يكون الإعظام والحب والتفانى. وجمهور البشر لهم أشياء يحبونها ويتعلقون بها، وتضع على سيرتهم طابعها وتكمن وراء كثير من أقوالهم وأفعالهم. وانعطاف الإنسان نحو شئ معين بدافع الغريزة أو العادة لا شئ فيه ما دام في إطار الحدود المشروعة. ولكن لا يجوز أن يمتلك هذا الميل زمام الإنسان، ويتولى تصريفه، وينحى غيره من البواعث الأخرى. أو بتعبير أوضح، من أحب الله لم يؤثر عليه شيئا. وعندما تتنافس المشاعر المختلفة في الاستيلاء على زمام المرء، وتحديد وجهته، فيجب أن تنهزم كل عاطفة أخرى، وأن يرجح جانب الله رجحانا حاسما. ونحن في الحياة العادية نشهد ناسئا كثيرين يتعلقون بمبادئ، وأشخاص وأشياء مختلفة، ويؤثر هذا التعلق في طريقة إنفاقهم لأوقاتهم، وبنائهم لحياتهم، وإصدارهم للأحكام الخاصة والعامة. وعاطفة المرء نحو ربه تتحدد فيمتها في هذا المعترك النفسى البعيد المدى. والمفروض أن حب المسلم لربه أربى من أى عاطفة أخرى عند أى إنسان آخر (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله) . 218