فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 220

ويظهر ذلك جليا عندما يصطدم في نفس المرء شعوران متناقضان، فقد تجيش في قلبه رغبة القعود في بيته مع ولده وأهله، وقد يهتف به نداء الواجب أن يدع ذلك كله، وينطلق إلى ميدان الجهاد مضحيا بنفسه ورغباته. ومصير الإيمان مرتبط بنتيجة هذا الصراع العاطفى، فإن غلبت محبة الله، ورجحت كفة أمره فبها ونعمت، وإلا فالهزيمة فسق عن أمر الله (قل إن كان آباؤكم و أبناؤكم و إخوانكم و أزواجكم و عشيرتكم و أموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها أحب إليكم من الله و رسوله و جهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره و الله لا يهدي القوم الفاسقين) . والواقع أن محبة الإنسان للكثير من الأشياء هى التى تصده عن الكثير من الواجبات خصوصا إذا غلبت الرغبة على فكره وغطت على بصيرته، فإنه يفقد اتزانه فيما يصدر من أحكام، وفيما يصدر عنه من أعمال، بل إنه قد يهبط إلى مراتب الطفولة ـ وهو المسن ـ لأن الطفل لا تسيطر على تصرفاته إلا شهواته... وقديما قيل: حبك الشىء يعمى ويصم. وكم من رجل أرداه حبه للمال، أو للثناء، أو للراحة بين أهله وعشيرته إذ يقصر هذا الحب خطوه إلى معالى الأمور، ويغريه بالقعود عن نصرة الحق بالنفس والمال. ولذلك كانت نفس الإنسان ـ إذا آثر الحياة لها ـ عدوه المخوف. وكان ولده وزوجه أعداء له كذلك، يوم يؤثر الحياة إلى جوارهم عن تلبية النداء وإجابة داعى الله، وهذا معنى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) ، والواجب أن يتلطف الإنسان مع أهله وعشيرته حين يتعلقون به، ويبغون بقاءه معهم، تلطف من يرق لضعفهم، ولكن لا يمنعه إعذاره لهم من توديعهم إلى حيث ينبغى أن ينطلق، ومن هنا ختمت الآية بقوله تعالى: (...وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم) . ثم قال محذرا من الركون إلى القعود: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم) . ومقتضى حب الله عز وجل؟ أن يطيع الإنسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت