فى السماء، وعلم الأمس واليوم والغد عنده سواء. كأن العالم منذ خلق، وإلى أن تبدل معالمه، صفحة واحدة يستوى فيها القريب والبعيد والأول والآخر. وذلك ـ بداهة ـ لأن الخالق يعلم ما خلق، ولا يتصور أن أحدا صنع من ورائه شيئا فيكون هوـ سبحانه ـ جاهلا به. إن الإبداع ـ وهو إبراز شىء من العدم ـ لا يقدر عليه إلا الله. والتغييرات التى تحدث في المادة ـ وهى محور الأعمال البشرية ـ لا تتم إلا بأقدار الله، ومن هنا كانت إحاطة العلم. ومن هنا كان معنى قولنا: إن الله لا يعلم هذا الشىء، أن هذا الشىء لا وجود له، إذ لو كان موجودا لعلمه حتما، وهذا معنى الآيات الكريمة. (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون) . ولقد تجول الفكرة في خاطرى ـ وكم يحمل تيار الشعور السارى في كيان المرء من خطرات، وسوانح ـ فأقول: إن الله يعلم هذه الخطرة المارة، كما تمر السحب بالآفاق . ثم أقول: وعلمه بها منذ أجيال: وأستتلى القول: وهو يعلم من غيرى مثل ما يعلم منى! ومن غيرى؟ ألوف مؤلفة تزحم أرجاء العالم. وعلمه يسع هؤلاء في عصرنا. وما قبل عصرنا وما بعد عصرنا!! وما يملك المرء وهو يتابع هذا التصور إلا أن يهتف بالآية: (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم) . ص - (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) ينابيع المعرفة تنبجس ابتداء من مشيئة الخالق، حتى العلم بما يقع في مجال السمع والبصر، إنه لولا ما ركب في الإنسان من عقل مدر، لماح، ما استطاع أن يفقه مما حوله شيئا. والاطلاع على ما هو أعمق من ذلك موكول إلى مراتب الذكاء الإنسانى، 031
وأنصبتنا من هذا الذكاء مقسومة علينا ونحن أجنة في بطون الأمهات.