والقمم، وتتأهب لوداع الأحياء إلى ملتقى آخر!! ومن ورائها آفاق معصفرة احمرت فيها حواشى السحب، واستقرت فيها ـ إلى حين ـ فترة الانتقال بين إقبال الليل وإدبار النهار..!! قلت: هذه صورة جميلة، خطتها يد ماهرة، تستحق الثناء. لكن لماذا يعجب الناس براسم الصورة على الورق؟ ولا يتجهون بأبصارهم وبصائرهم إلى صانع الأصل الذى احتواه الفضاء الرحب، ودارت فيه أجرام ضخمة، وتأنقت فيه الطبيعة الحية، وتحركت فيه الأرض كثيرا حول نفسها وقليلا حول الشمس، وجرت فيه الشمس مدى لا ندرى كنهه ولا نسبر غوره!!. إن الأصل نفسه في الشروق الزاهى، أو في الغروب الدامى، على اختلاف الليل والنهار يستحق التأمل الذكى، ويستحق بعد ذلك وقبله أن تتجه الأفئدة إلى بارئ السموات والأرض تسجد لجلاله وتسبح بحمده. وإلى الأصل المنقوش في صفحات الكون لا إلى الرسم المصغر على وجوه الأوراق. نظر"محمد"عليه الصلاة والسلام إلى بدايات الليل، ونهايات النهار ثم رد الأشياء إلى مالكها الحق، ونسبها إلى صاحبها الأصيل قائلا:"اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لى". والعجب للناس: ينظر أحدهم إلى تمثال من حجر أتقن ناحته إضفاء بعض الملامح البشرية عليه، ثم يروحون وألسنتهم تلهج بمدحه. أما مبدع هذا الجسم الحى فقلما يكترثون له، بل فيهم من يجحد وجوده، وينتهك حرماته. وما أبعد البون بين صخرة هذب ظاهرها على نحو معين، وعضلات من لحم ودم وعظم وعصب، تمور خلاياها بالحياة أخذا وردا، فلو وضعت إصبعك على جزء ما من هذا الجسم ثم تأملت ما تحتها لعلمت أن ألوف الشعيرات تسرى فيها بالدماء ويتفاعل فيها الزفير والشهيق، وتتولد الطاقة من احتراق الأغذية وطرد نوع من الهواء ـ الكربون ـ واستقبال نوع آخر ـ الأوكسجين. وشىء آخر، أطراف هذا الجهاز الحسى وذيوله التى لا آخر لها، والتى تجعل الجسم كله يهتز لوخزة شوكة تصيب أى ناحية فيه. إن التأمل في النفس الإنسانية يجعل