إمداد البشر بالماء الحلو على هذا النطاق الواسع بوساطة جهاز منسوج من الهواء، مبسوط الأذرعة بين الأرض والسماء، يستاق الماء بخارا من البحر الملح ثم يكثفه سحابا يختلط كيانها بما يجعل ماءها عذبا، ثم تنطلق في شتى الأشكال مخترقة الآفاق إلى حيث تهمى بالخير والبركة...!! إن هذا لمما يملأ الفؤاد روعة، ويزيده إكراما وإعلاء لشأن الخالق المدبر تقدست أسماؤه، وتباركت آلاؤه، ولا إله غيره. 225
(ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب) . فليستعرض الإنسان ما يعرف من مواهب وخلال، وليستعرض في ذهنه ما يبهره، من عباقرة وأبطال، ثم ليقارن بين تلك القوى الكليلة والقوى المطلقة، وبين هذه العظمات الباهتة العاجزة والعظمة الساطعة الخالدة!! إنه سوف يرى رب العالمين أولى بالتمجيد والإعجاب؟ وأحق بالمحبة والاقتراب... والبشر ـ من الناحية العقلية ـ لا يمارون في هذه الحقيقة، غير أنها لا تنتقل من ألبابهم إلى قلوبهم فتتحول من فكرة إلى شعور، ومن شعور إلى سلوك. إن هذه الحقيقة تدخل نفوسهم كما يدخل الطعام في بطن الممعود، لا تستقبلها أجهزة سليمة تحول إلى قوة ونماء وحرارة بل ربما كان فيه الحتف. كذلك البشر يعلمون عن الله ما ينبغى أن يؤسس في نفوسهم الحب المكين له، ومع ذلك قد يحبون غيره مثله أو أكثر: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله) . وندع للإمام الغزالى أن يقارن بين ما يستثير الإعجاب والحب في شمائل الناس؟ وبين صفات الفرد الصمد جل جلاله؟ قال:"وأما العلم: فأين علم الأولين والآخرين من علم الله تعالى الذى يحيط بالكل إحاطة خارجة عن النهاية حتى لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض؟ وقد خاطب الخلق كلهم فقال عز وجل: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) بل لو اجتمع"