وعندما وجه فرعون إلى موسى وأخيه هذا السؤال: (قال فمن ربكما يا موسى * قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) .
إن هداية كل شىء في الحياة ليقوم بوظيفته المطبوع عليها، هو"التقدير"الذى
سير الله به الحياة تسييرا متقنا..! (سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * و الذي قدر فهدى) وذلك هو معنى الحق الذى قامت به السموات والأرض. فلا تحسبن نبتا ينبثق من ترابه كما يحلو له. إن مقادير الأغذية التى يحملها أو الروائح التى يطلقها عبئت فيه وفق سنن بينة قائمة.
ولا تحسبن نجما يخترق هذا الفضاء متجولا فهو يسرع إذا أحب ويبطئ إذا أحب.
إنه يجرى تبعا لقوانين قيد بها، وقوى حبس في حدود أذن الله بها، ولم يأذن بغيرها.
وقد وزعت هذه الإيحاءات من بدأ الخليقة توزيعا لا يلحقه اضطراب ولا ترقى إليه فوضى.
وإبرازًا لهذه الحقيقة قال الله جل شأنه: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم) .
ذلكم هو الحق الذى انساب في أوصال العالم كما تنساب الروح في البدن، والذى تكرر كثيرًا في سور القرآن الكريم.
(ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون) .
(وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل) .
(أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون) .