ومعنى أشهد أن محمدا رسول الله: أتعهد بأن أتخذ من حياته الأسوة الحسنة وأن أستمسك بالسنة التى رسمها، وأستظل باللواء الذى نصبه. ولك أن تسأل: من أين هذا التعهد؟ والجواب: أن سر العظمة في حياة محمد يرجع إلى أنه إنسان كامل، بلغ ذروة الارتقاء البشرى عن طريق العبودية الصحيحة لله. فهو لم يزعم يوما أن الله حل فيه، أو أن بينه وبين الله نسبا يخلع عنه وصفا من أوصاف البشرية المعتادة، كلا، إنه واحد من الناس تخيرته العناية العليا ليبلغ عن الله، وليكون رائدا يتقدم صفوف التائبين إلى ربهم. (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك) كان رجلا سوى المشاعر قوى العضلات لم تضن بدنه عاهة أو علة. تصله هذه العافية بأقطار الحياة الصحيحة دون عقد نفسية. وكان زوجا وأبا وتاجرا وفارسا، وكان يتعرض للغنى والفقر، والنصر والهزيمة، والحزن والسرور، والرضا والغضب. ومع هذه البشرية التى يشركه فيها سائر الخلق فقد انتظم سره وعلنه في خشوع وجهاد وتفان في ذات الله، جعله يتحدث عن نفسه صادقا مصدوقا فيقول:"أنا أتقاكم وأعلمكم بالله". من هنا تجىء الأسوة. من بشر مثلنا أحرز الكمال الإنسانى على عنت الظروف وقوة البيئة يتعلم الناس ويتعظون، وفى هذا يقول الكتاب العزيز: (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا * وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا * قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا) . أجل، لأن سكان الأرض بشر تعمل في كيانهم غرائز البدن ورغائب النفس، ويتعرضون في حياتهم لمشاعر الضيق والفرج، والشدة والرخاء، والكدح والراحة، 050