فالتعاليم المدنية تزحف من كل فج، وتقتحم طريقها إلى النفوس من مسارب لا حصر لها. وإذا لم نحسن البناء الداخلى للنفوس ورفع الإيمان على دعائمه الفكرية والعاطفية كلها، فإن الأجيال الناشئة لن تنجو من آثار هذا الزحف، وربما شعرت بنقص في كيانها الروحى تسعى كى تستكمله من جهات أخرى، وهذا باب لو انفتح هبت منه شرور جائحة. ولست أجهل أن صلة الإنسان بربه، وصلته بنفسه كانت موضع كلام طويل الأنفاس في كتب التصوف. غير أن هذا الكلام كان أشبه بمقالات الأدباء، وعواطف الشعراء، يصور الإحساس الخاص لصاحبه أكثر مما يصور حقائق علمية قيمة. ومهما كان ذلك. الإحساس صادقًا فإن خصائص المنطق العلمى أعوزته. والمنطق العلمى يقوم على الثبات والعموم لا على وجهات النظر الخاصة. ذلك، أن هذه الكتب أثبتت خلالها أخطاء مزعجة، ومن الخطورة بمكان أن يتناولها رجل الشارع، فلا يدرى ما هو مستقيم منها، وما هو معوج، أو ما هو ذوق خاص، وما هو حقيقة عامة. ومن الإنصاف أن نسجل للقوم عنايتهم بما انصرف غيرهم عنه أو قل اكتراثهم له. وهو هذا القسم الضخم من شعب الإيمان المتعلق بأحوال النفس الباطنة. وإذا كانوا أخطأوا حين درسوا وكتبوا ـ فغيرهم أخطأ حين وقف وجمد. على أن الأخطاء في ثقافتنا التقليدية ليست حكرا على كتب التصوف ـ وان نالت هذه الكتب نصيبا جللا منها ـ فإن الأخطاء تطرقت إلى كتب التفسير والفقه والسيرة، واندس في صحائفها ما يؤذى الله ورسوله، وما اجتهد الأئمة في التحذير منه. وكشف القناع عن دخله وغشه. وكم تحتاج مواريثنا الثقافية إلى جهاد علمى كبير؟ كى تتجرد من الظنون والأوهام التى علقت بها، وتعود إلى السمات المأثورة عن كتاب الله وسنة رسوله. وهى سمات الحق واليقين فيما تتناول من قضايا، أو تصدر من أحكام. 011