فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 220

والواقع أن المسلم لا يطيق عصيان الله، ولا يرضى به، ولا يبقى عليه إن وقع فيه؟ بل إن ما يعقب المعصية في نفسه من غضاضة وندامة يجعل عروضها له شبه مصيبة، فهى تجىء غالبا، غفلة عقل، أو كلال عزم أو مباغتة شهوة وهو في توقيره لله، وحرصه على طاعته يرى ما حدث منه منكرا يجب استئصاله. إنه كالفلاح الذى يزرع الأرض فيرى"الدنيبة"ظهرت فيه، فهو يجتهد في تنقية حقله قدر الاستطاعة من هذا الدخل الكريه. ولو بقى المسلم طول حياته ينقى عمله من هذه الأخطاء التى تهاجمه، أو من هذه الخطايا الذى يقع فيها، ما خلعه ذلك من ربقة الإسلام، ولا حرمه من غفران الله. ولعل ذلك هو المقصود من الحديث القدسى."يا ابن آدم إنك ما دعوتنى، ورجوتنى، غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى. يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك، ولا أبالى. يا ابن آدم لو أتيتنى بقراب الأرض خطايا ثم لقيتنى لا تشرك بى شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة". وبعض السفهاء يأتى لهذا الحديث وأشباهه فيظنه إذنا عاما بالعصيان. وهذا الظن من انطماس البصائر، وأهله أبعد الناس عن المغفرة. إن المعصية شىء خطير، واتجاه الإرادة إليها زلزال يصيب الإيمان، أو ضباب يغطى معرفة المسلم لربه. يصحب هذا العمى انفلات من قيد الخضوع ومن مبدأ السمع والطاعة. من أجل ذلك قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". وهذا الانتقاء المؤقت للإيمان، أو لأثره ـ وهو طاعة الله وتقواه له عواقبه المخوفة، ترى أيعود كاملا أو يعود مثلوما؟. فإذا استمرأ العاصى المرعى فهل لهذا الإيمان المنفى من عودة؟ مع أنه مطارد 052

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت