إصراره على الذكر سوف يترقى به إلى أعلى المراتب. إنه قبيح بالإنسان أن ينسى ربه أو يسأم ذكره، وهو ملحوظ بعناية الله في كل حين. وقد تطغى صور الوجود الأدنى على الفؤاد، فيكون ذكر المرء لله حركة لسان لا يصحبها جنان، وربما شعر بأن هذا الذكر الشفهى قليل الجدوى فيتركه، والأولى به أن يصر عليه، فإن هذا الإصرار حميد العقبى. ولو فرضنا أنه انتهى إليه فهو خير من السكوت، إنه انشغال عضو بطاعة الله، وهذه المشغلة ـ على تفاهتها ـ حاجز عن معصيته! فكيف لو ترقى به هذا الإدمان لذكر الله ففض مغاليق الغفلة عن قلبه وجعله يقظان المشاعر فهو يذكر الله بلسانه وبقلبه جميعا؟ وابن عطاء الله يبغى تحصين المسلم ضد حالة الارتكاس لا تليق به فقد يزدرى اللسان لأنه وسيلة فاشلة.. في تحريك القلب، فتكون النتيجة أن يهمد فمه وقلبه معا وتجرفه تيارات الحياة بعيدا بعيدا فقلما يخطر على باله ذكر ربه. والقمة التى يحدونا إليها هذا الصوفى الذكى هى حالة الاستغراق! وما حالة الاستغراق؟ إن أحوال الاستغراق في شىء ما تزحم حياة الناس العادية. قد تنادى بأعلى صوت رجلا يسير قريبا منك في الطريق فلا يلتفت إليك لأنه غارق في فكر سيطر عليه، فهو ينطلق في الطريق ضعيف الإحساس بما حوله... وقد جربت في نفسى هذه الحالة اجلس إلى جوار المنبر في الجامع الأزهر يوم الجمعة، ولما أعد ـ بعد ـ الخطبة التى حضرت الألوف لاستماعها. فأعبئ قواى الذهنية، وأحضر مشاعرى كلها لتحديد الموضوع، وجمع نصوصه وشواهده، وأتابع في نفسى ربط العناصر، وتسلسل المعانى ، وضبط بعض الجمل الدقيقة حتى لا يند زمام التعبير في نقطة حساسة. ثم أصحو من هذه السياحة العقلية وقارئ السورة في المسجد يصرخ بالآيات فلا أدرى من أين بدأ؟ ولا أين وصل؟ وكأنى ما سمعت منه حرفا مع أن مكبرات الصوت تملأ به جو المكان! إن حالات 0 ص 4