الاستغراق هذه شىء معتاد في حياة الناس. ومن أهل الصلاح من تصفو سرائرهم، وتزكو بواطنهم، وتتوطد مع الله علائقهم، ويمس حبه شغاف قلوبهم، وربما تضطرم مشاعر الذكرى في أنفسهم إثر طائف يمر بها من الملأ الأعلى، كما تتقد الجذوة نفخت فيها الرياح، فتمر بهؤلاء لحظات ليست من حياة الناس، يذهلون فيها عن أنفسهم ويبقون مع ربهم في استغراق يطول أو يقصر...!!! أى عجب في هذا؟ إن الإيمان يربو أحيانا كما تربو أمواج البحر، ثم يعود رهوا، ساكن الصفحة، كأن لم يعره شىء... وهذه السويعات، في حياة المؤمنين أمر معتاد! وأنا أكره تسميتها فناء، كما أستنكر تسميتها جذبا. وأحسب أن هذه الاطلاقات تنقصها الدقة والآدب. ولنا أن نسأل: هل هذه اللحظات هدف يسعى إليه؟ والجواب: لا… إنها أحوال تعرض وليست غايات تقصد. وذكر الله بالقلب، أو باللسان لا ينبغى أن يتوسل به لهذه اللحظات، وإنما ينبغى أن يتحول إلى الأعمال العظيمة التى رسمها الشارع، وناط بها كيان الفرد والمجتمع. إن جيشان عاطفة ما أمر قد يعترض حياة العاملين، ولكنه لا يتجاوز هذه الحدود. وقد كرهنا أن نسمى هذه الحالة فناء، لأن هذا التعبير كان مزلقة لانسلاخ البعض عن ذواتهم. ورأينا البعض يسميها وحدة الشهود لينفى بها خرافة وحدة الوجود! ومع ذلك فمان تعبير ابن عطاء الله ـ على استقامته ـ مهد الطريق لهذه المحظورات واسمع إلى ابن عجيبة يشرح عبارته التى ذكرناها آنفا. قال:"فإن دمت على ذكر الحضور رفعك إلى ذكر مع الغيبة عما سوى المذكور، لما يغمر قلبك من النور. وربما يعظم قرب نور المذكور فيغرق ـ الذاكر ـ في النور، حتى يغيب عما سوى المذكور، وحتى يصير الذاكر مذكورا، والطالب مطلوبا والواصل موصولا، وما ذلك على الله بعزيز...". 0 ص 5