ثم يقول:"إن الذاكرين الله بالقلوب هم في حال ذكرهم لله بلسانهم أشد غفلة من التاركين لذكره"لماذا؟ لأن ذكره باللسان يقتضى وجود النفس وهو شرك؟ والشرك أقبح من الغفلة". ونحن نرفض هذا الكلام جملة وتفصيلا، بل نرى ابن عطاء الله بريئا من قصده فإن الذاكر غير المذكور قطعا. وشعور المخلوق بأنه غير الخالق توحيد لا شرك. والواقع أن في عبارات الصوفية من هذا القبيل تشويشا يجعلنا نستبعدها من ميدان التعليم والتربية مهما التمس لها من الشروح وقصد المجاز لا الحقيقة. إن الإحسان ـ ورد في الكتاب والسنة ـ شىء آخر غير هذا الاستغراق الذاتى وغير التأمل العميق الذى قد يغيب المرء فيه عن نفسه أحيانا... والمسلم ـ إذا أطاع الله ورسوله ـ لم يحتبس داخل صومعة محدودة الأركان يفسح جنباتها بالخيال الجامع، هانما صومعة المسلم هذه الأرض ذات الطول والعرض، يملأ جنباتها بالعمل المتقن والواجبات المطلوبة. وليس الإحسان تجويد جزء من العبادات وإهمال أجزاء أخرى قد تكون أخطر وأجل، وإنما الإحسان أداء فروض العين وفروض الكفاية، وتناول شئون الدنيا وشئون الآخرة معا. هو إشراب الحياة الإنسانية حقائق الأمر الإلهى، وإضفاء صبغة السماء على أحوال الأرض. هو ترقية كل عمل بذكر الله فيه، لا الفرار من الأعمال بدعوى ذكر الله في العراء. روى عن معاذ بن جبل عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن رجلا سأل فقال:"أى المجاهدين أعظم أجرا؟ قال: أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا. قال: فأى الصالحين أعظم أجرا؟ قال: أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة! كل ذلك ورسول الله يقول: أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا. فقال أبو بكر لعمر: يا أبا حفص، ذهب الذاكرون بكل خير! فقال رسول الله: أجل". 0 ص 6"