قال: أعنى أنه لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر! قلت: إذن فهو حيوان مستأنس! قال: أفبعد هذا الارتقاء تصفه بأنه حيوان مستأنس؟ قلت: إن الاستئناس هو الوصف الذى أضفته عليه الحضارة، وسيبقى حيوانا ما بقى كافرا بالله، فإذا آمن فهو عندئذ إنسان. إنه لطيف الشمائل، حلو المنظر، ولذلك قلت: إنه مستأنس كهذه القطط والكلاب التى نألفها ونسمح لها بالتطواف علينا، ولا نلقاها بالرصاص، كما نلقى الذئاب والضباع... واستتليت: أترى الخائن لوطنه عندما يجر إلى حبل المشنقة؟ إنه قد يكون وسيم التقاطيع، وربما كانت له أم يبرها، أو زوجة يحبها، أو رحم يصلها. لكن شيئا من هذا لا يذكر أبدا عند اقتياده إلى ساحة الموت. إن الجرم الذى ارتكبه أفظع، وأشنع من أن تذكر بجانبه حسنة!! ألم يخن وطنه؟ إن خيانة قطعة من الأرض تسمى الوطن، جريمة أهون من خيانة رب الأرض كلها. أهون من الكفر بالله رب العالمين. إن الحضارة المادية التى صدعت اليقين في القلوب هونت من شأن الإيمان وجعلت الناس ينحنون لأقوام حاربوا الله والمرسلين، وربما أعجبوا بهم. بيد أننا لا نفقد عقلنا، ولا وزننا للأمور إذا اختلت موازين الناس وطاشت ألبابهم. إن إنكار الألوهية جريمة كبرى، وإذا تلطخ بهذه الرذيلة أحد فهو في نظرنا شخص نجس. ونحن نعامل الأحياء والأموات على ضوء هذا الحكم الحاسم. نعم نحن في ميادين الدعوة إلى الله نعذر الجاهلين، ونتطلف مع غير المسلمين، بل إننا مأمورون أن نبر أهل الذمة، ونقسط إليهم لكن تقرير الحقائق شئ والنظر في أحوال الجاهلين بها، والصادين عنها، والخارجين عليها شئ آخر. في ميدان التعليم والتربية لا خلط بين الإيمان والإلحاد، ولا بين الشرك والتوحيد. يجب إحقاق الحق، وإبطال الباطل بصرامة. يجب أن يقال: إن الصدق فضيلة، وإن الكذب رذيلة دون مواربة، ويجب أن 096