إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) 101
إن البهيمية مذهب معروف عند كثير من الخلق، وهو أقصر طريق إلى جزى الدنيا وعذاب الآخرة. إنه لا يكلف أصحابه إلا حب الراحة، وطلب اللذة، والاحتفاء بالنزوات العابرة والاهتياج مع الشهوات الفائرة، وإبداء الرأى دون عقل، إرسال الحكم دون عدل، وتفضيل عاجل رخيص على آجل غال. وقد حدد القرآن مصير هذا السلوك بجلاء (فأما من طغى * و آثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى) . وتقويم جهاد ما لا ينظر فيه إلى مقدار ما يبذل من تعب، وإنما ينظر فيه قبل كل شىء إلى نية المقارنة والغاية المقصودة. فإن اللص يسهر الليل ليختل النائمين، والشرطى يسهر الليل يحرس الأمن لقاء راتب معهود، والمتهجد يهجر فراشه ويدع لذيذ الرقاد لا لشىء إلا ليعبد ربه في هدوء وصفاء، ويتدبر آياته في خشوع ورجاء، مرتقبا في الآخرة ثمار ما يغرس في الدنيا: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) . إن سهر هؤلاء الثلاثة واحد والفرق بينهم شاسع. فأما الأول فمجرم يستحق العقوبة بما بيت من إثم. وأما الثانى فأجير يؤدى واجبه بثمن لو تأخر عنه قليلا لسخط وترك ما كلف به. وأما الأخير فرجل مؤمن بالغيب والشهادة. يعرف ما يعمل، ولمن يعمل؟. ومن هنا فنحن لا نكترث لكل جهاد نفسى، ولا لكل عناء يتجشمه البشر، مالم يكن جهادا رشيدا محكوما بإطار من هدى السماء وصحة الأداء. إنك تسمع عن فقراء الهنود، وعن ساستهم، قصص الصيام الطويل المضنى. وهذا من غير شك إرهاق للبدن تسانده عزيمة شديدة، وإرادة غالبة. ومع تقديرنا المجرد لقوة العزم وتماسك الإرادة لا نرى في هذا المسلك ما يستحق التنويه والحمد. ولو أن أحدهم دفن نفسه في الرغام شهورا ـ كما يروون ـ ما أبهنا كثيرا ولا قليلا لهذه