ألا ترى القليل من الماء يتناوله الإنسان فيذهب الظمأ وتبتل العروق، فإذا صار لجة ووقع الإنسان في مدها كتمت أنفاسه، وزحمت أمعاءه، وأزهقت روحه؟. وعلى طول الخط الطويل الممتد من المهد إلى اللحد يواجه الإنسان أمورا شتى تحتاج إلى فؤاد صاح وبصيرة نيرة، فإن اشتباك النفس بهموم الرزق، وفتون الناس، وتلقيها ألوان الوساوس، وتأرجحها بين جواذب اليمين واليسار، وفقرها إلى استجماع قوى كثيرة كى تحقق الخير، وكى تصد الشر، ذلك كله يستدعى جهادا متصل الحلقات. ولن ينجح الإنسان في هذا الجهاد إلا إذا مرن على عصيان هواه ومضى قدما على الصراط المستقيم جلدا مثابرا لا يقعده إعياء ولا يرده استرخاء... وقد حذر الله خيرة خلله من الهوى، وبين أن اتباعه حجاب عن الله، ومزلقة عن الحق. انظر ما قال لداود عليه السلام: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) . ويقول الله لنبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) . ويقول: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) . ويقول: (فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق) . ويصف الكافرين بأن أهواءهم هى التى سولت لهم الزور وزينت لهم الجهل: (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله) . بل يكشف أن كثيرا من الناس يرين على قلوبهم الهوى، ويكمن وراء أقوالهم وأعمالهم وأحكامهم، وينسج على حواسهم غشاوة محكمة فلا يرون ولا يسمعون إلا ما ينبع من طواياهم، أى أنهم لا يرون الحياة الخارجية على حقيقتها، بل يرونها من خلال تفكيرهم الخاص، كما ترى الجو أزرق من خلال زجاجة زرقاء. (أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا * أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون