إن تغليب العفة على الشره يحتاج إلى جهاد طويل. فإذا كان المراد أن تبلغ النفس درجة تحب فيها الخير وتستلذه، وتكره فيها الشر وتزدريه فالأمر بحاجة إلى مران أطول، مران يلتقى فيه كفاح الإنسان نحو الكمال، والتوفيق الإلهى لبلوغ الشأو المقصود. وبذلك يكون الإنسان ممن عنتهم الآية الكريمة: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون * فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم) . ونحن نلحظ في كثير من الأحيان أن بعض الناس تفسد نفسه فسادا لا تستطيع معه أن تستبين الحق، بله أن تتبعه، وربما استمرأت العيش في الأباطيل والجهالات كما يستمرئ جامعو القمامة العيش بين الفضلات والأقذار ما تزكمهم روائحها ولا تؤذيهم مقابحها...!! وهذا الانتكاس قاتل للضمائر والأخلاق، موغل بأصحابه في ليل ليس له فجر. وكم يدعوا المرء ـ وهو يرقب هؤلاء الشاردين في بيداء الحياة ـ: اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه... والشهوات التى تحتاج إلى رقابة وضبط زمام كثيرة، وهى متفاوتة الحدة في آحاد الناس، ولكن أصولها ناشبة في حياتهم على العموم. هناك حب النفس، وحب النساء، وحب المال، وحب الظهور، هذه مثلا غرائز ما يخلو البشر من مباديها. وقد تجد البعض في حبه لنفسه لا يبصر غيرها، ولا يتحرك إلا بهواجس الأثرة وحدها. وقد تجد آخر مفتونا بالثراء، يدأب ليله ونهاره في جمع المال، يعشقه لذاته دون رغبة في بذله مهما تطلبت الحقوق. وقد تجد امرءًا على حاجته إلى المال يبذله كى يذكر اسمه ويذيع صيته، أو هو في سبيل سمعته يتسلق الوعر ويتوسد الجمر. ومن الناس من يهيم وراء الغيد كأنه ظمآن لا يجد الرى أبدا. وعلى مبادئ هذه الغرائز تعتمد الحياة الإنسانية في بقائها ونشاطها، ومن طيش هذه الغرائز تفسد الأرض، وينتشر الهرج والمرج، وتصاب الأعراض، وتسفك الدماء. 100