فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 220

المزيد 103

دون أن تدرك الشبع. والمجتمع البشرى الذى تدور حركاته على هذا المحور مجتمع طافح الإثم سىء العقبى، تطيش به نوازع الشره والأثرة، وتتولد فيه مشاعر الحسد والبغضاء، وقلما ينجو من إثارة الفساد وسفك الدماء. وتلك آفة الحضارة بعد ما زهدت في الدين، وتبرمت بتعاليمه: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) . والحق أن اتباع الهوى إن كان يطمس على حواس الأفراد، فهو على المجتمعات الضالة ـ يضرب ليلا طويل الظلام، بارد الأنفاس، بعيد الفجر… ونريد أن نسارع إلى نفى شبهة تروج عند الجاهلين بالإسلام، هى أنه يحرم الناس أمورا كثيرة، ما تطيب الحياة إلا بها، ويعترض رغبات شتى ما يستريح الخلق إلا بإشباعها... وهذا خطأ فإن الإسلام ما حرم طيبا ولا حظر خيرا، وكل ما تعتدل به الطبيعة البشرية وتستقيم فهو مباح لها. إن الله ما حرم على الناس إلا ما علم أنه يزيغ بهم عن الصراط، ويتسارع بهم إلى الشر. والإسلام لم ينكر قط الطبيعة المادية للإنسان، ولا حقوق الفترة التى يقضيها على ظهر هذه الأرض. غاية ما صنع أنه ذكر الإنسان بأنه مادة وروح، وأن صلته بالسماء أعرق من صلته بالأرض، ولذلك ينبغى أن يرعاها، وأن يلتزم مطالبها...!! وفى أثناء وفائه بحقوق هذه الصلة العليا سوف تنازعه نفسه أن يتنكر لها، وأن يتمرد عليها، وهنا يجب أن يكبح جماحها، وأن يكرهها على قبول ما يضايقها. ومجاهدة النفس في هذا المضمار خلق لا ينفك عن مؤمن، ولا يسوغ استثقال أمره أو الترخص فيه. وإنما ترتفع منازل المؤمنين ويتألق جبين أفل التقوى، بمقدار انتصارهم على شهواتهم وامتلاكهم لزمام رغباتهم... إن العراك الباطنى لا ضجيج له، ولا سلاح فيه، ولكن هذا العراك أخطر في نتائجه من المعارك التى تنتثر فيها الأشلاء، وتبذل فيها الدماء. 104

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت