فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 101

وهنا ينبغي التنبيه على أن حب الاستشهاد هو جزء من سياسة الردع الذي هو مبدأ من أهم مبادئ الجهاد عند المسلمين، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"نصرت بالرعب مسيرة شهر" [رواه البخاري] باعتبار عدم الخصوصية.

ويتحقق مبدأ الردع بالعمل على محورين

1، محور الكم (المحور الأفقي) ، وهو الوارد في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60] . والردع في هذه الآية ظاهر في قوله تعالى: {تُرْهِبُونَ بِهِ} ووسيلة القوة، ومفردات هذه القوة هي مال ورجال وسلاح.

2، ومحور الكيف (المحور الرأسي) ، وله شِقَّان، شق مادي برفع الكفاءة القتالية للفرد المسلم، قال - صلى الله عليه وسلم:"المؤمن القوي خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف" [رواه مسلم] . وشق معنوي بغرس مفاهيم حب الاستشهاد والصبر في نفوس المسلمين، قال تعالى: {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} [آل عمران: 200] . وقال تعالى: {إِنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ} [النساء: 104] . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:

"واعلم أن النصر مع الصبر".

وإن تقوى الله - عز وجل - بفعل الطاعات وترك المعاصي تؤثر تأثيرًا مباشرًا في ميدان القتال، وقد تضمن الله تعالى للمتقين بزلزلة عدوهم كما قال تعالى: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} [الأنفال: 12] . وقال تعالى: {وَلَوْ قَاتَلَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوْا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا} [الفتح: 22 - 23] . ولهذا فإن التقوى والعمل الصالح هي جزء لا يتجزأ من سياسة الردع. وهذا الفهم كان واضحًا ومستقرًا في أذهان الرعيل الأول من هذه الأمة كما يتضح من رسالة عمر إلى سعد بن أبي وقاص في مسيرِهِ لغزو الفرس رضي الله عنهما.

الشهادة ليست مقصودة لذاتها ـ إلا في مواطن نعلمها ـ بل لإظهار الدين، لا بأس بتمني الشهادة والتعرض لها بالتغرير بالنفس في القتال على ألا تكون هي المقصد الأول من هذا التغرير، بل يكون المقصد الأول هو إظهار الدين، وبمعنى آخر لا ينبغي للمسلم أن يقتحم القتال لمجرد الشهادة دون النظر إلى ما يوقعه بالعدو من نكاية. والدليل على هذا:

? قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" [متفق عليه] . فجعل - صلى الله عليه وسلم - المقصد من الجهاد هو إعلاء كلمة الله لا الشهادة التي قد تقع وقد لا تقع، وهي لا تقع إلا لمن اختاره الله تعالى لهذه المنزلة، قال تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} [آل عمران: 140] .

ومن الناحية العملية يمكننا القول بأن المسلم يُقْدم على المشاركة في أي عمل قتالي بغَضّ النظر عما يصيبه في نفسه، وبغَضّ النظر عن نتيجة هذا العمل القتالي بشروط أربعة، وهي:

الأول: المشروعية: وهي معرفة حكم هذا الجهاد هل هو مشروع واجب أم لا؟ ويكون ذلك أساسًا بمعرفة حال العدو وحكم الله تعالى فيه؟.

الثاني: الراية: لا يكفي أن يكون عدوك كافرًا مستحقًا للقتال، بل يجب عليك إذا كنت ستقاتل هذا العدو مع طائفة أن تعرف راية هذه الطائفة وهويتها، هل الراية إسلامية أم لا؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت