لطيف، لأنه لو علم وكان ناجيًا أُعْجِبَ وكسل، وإن كان هالكًا ازداد عتوا، فَحُجِبَ عنه ذلك ليكون بين الخوف والرجاء] [فتح الباري ج 11 ص 330] . فاحرص على ألا يعرض لك ما يضيع ثواب جهادك.
ألا ترى إلى قوم جاهدوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبر عنهم إنهم في النار، وقوم صحبوه - صلى الله عليه وسلم - ثم ارتدوا بعد مماته. فهذا في سوء الخاتمة بعد عمل الصالحات.
ثم انظر كذلك إلى قاتل المائة كيف تاب الله عليه وطوى له الأرض، وإلى سحرة فرعون قال ابن كثير: [فكانوا في أول النهار سَحَرَة، فصاروا في آخره شهداء بررة] [تفسير ابن كثير جـ2 صـ 238] . وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وهذا في حسن الخاتمة بعد عمل السيئات.
قال الشيخ عبد القادر عبدالعزيز سألني أحد الإخوة، قال: إذا أخذ المجاهد عطاءًا (أي معاشًا ماليا) لينفق على نفسه أو على عياله، أو إذا غزا فنال شيئا من الغنيمة، هل ينقص ذلك من ثواب جهاده عند الله شيئا، مع العلم بأنه ما خرج للجهاد إلا لتكون كلمة الله هي العليا؟
الجواب: نعم، كل نفع دنيوي يحصل للمجاهد في سبيل الله ضِمْنًا لا قصدًا ينقص من أجره عند الله. وتفصيل ذلك أن الخارج للجهاد لا تخلوا نيته عن حال من أربع:
الأولى: رجل خرج للغزو وليس قصده أن تكون كلمة الله هي العليا، بل قصده المال أو الرياسة أو السمعة أو غير ذلك من حظوظ الدنيا، أو التجسس على المسلمين أو ليخلو برجل من المسلمين ليقتله أثناء الحرب. فهذا في النار، لحديث أبي هريرة وفيه:"قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّار" [رواه مسلم] . ومع ذلك ـ أي مع فساد نية هذا ـ قد يحدث على يديه إعلاء كلمة الله ضمنا، وهذا هو المقصود بقوله - صلى الله عليه وسلم:"وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ" [رواه البخاري] .وفي رواية:"وَبِأَقْوامٍ لاَ خَلاَقَ لَهُم" [رواه أحمد والطبراني عن أبي بكرة] .
الثانية: رجل خرج للغزو وقصده إعلاء كلمة الله، وقصده أيضًا حظ نفسه من مال أو سمعة أو رياسة، فهذا لا أجر له، لما رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي أمامة بإسناد جيد، قال:"جاء رجل فقال: يا رسول الله، أَرَأَيْتَ رَجُلا غَزَا يَلْتَمِسُ الأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَالَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لا شَيْءَ لَهُ فَأَعَادَهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لا شَيْءَ لَهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ".
الثالثة: رجل خرج للغزو وقصده إعلاء كلمة الله، لا قصد له غير هذا، ثم حصل له شيء من المغنم ضِمْنًا لا قصدا، فهذا له أجر الجهاد في سبيل الله، ولكن نقص أجره بسبب ما ناله من غنيمة بخلاف الحال الرابع. وهذا الحال الثالث هو موضع السؤال، فكل نفع دنيوي يُنْقِصُ الأجر.
الرابعة: رجل خرج للغزو، وقصده إعلاء كلمة الله، لا قصد له غير هذا، ولم يحصل له شيء من حظوظ الدنيا، فهذا له الأجر كاملا، وهؤلاء درجات، أدناهم من رجع من الغزو سالمًا بلا غنيمة وأعلاهم من أهريق دمُه وعُقِرَ فرسُه وذَهَبَ مالُه في سبيل الله، وبينهما المصاب والشهيد.
ودليل الحالتين الثالثة والرابعة: هو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ" [رواه مسلم] . وله في رواية أخرى:"مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلا تَمَّ أُجُورُهُمْ". والإخفاق هو أن يغزو فلا يغنموا شيئا.
فهذا نص واضح صريح في أن من غزا ونيته صالحة (في سيبل الله) إن رجع بشيء من الغنيمة نقص ذلك ثلثي أجره الأخروي (وهي الحالة الثالثة التي ذكرتها) وهي موضع السؤال وإن لم يرجع بشيء تم له أجره في الآخرة (وهي الحالة الرابعة) .