هناك أحاديث كثيرة وردة في فضل الجهاد نسوق منها هذه الأحاديث والآثار، من تلك النصوص حديث أبي سعيد الخدري قال:"قيل يا رسول الله: أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله" [أخرجه البخاري (2786) ، (6494) ومسلم (1888) ] .
قال البخاري -رحمه الله-: (باب أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله تعالى) ثم ذكر الحديث السابق. [انظر صحيح البخاري (6/ 6 - فتح) ] .
وقال ابن دقيق العيد: (( القياس يقتضي أن يكون الجهاد أفضل الأعمال التي هي وسائل؛ لأن الجهاد وسيلة إلى إعلان الدين ونشره وإخماد الكفر، ودحضه ففضيلته بحسب فضيلة ذلك والله أعلم ) ) [فتح الباري (6/ 5) ] .
قال الحافظ: (( ... وهذه فضيلة ظاهرة للمجاهد في سبيل الله تقتضي ألا يعدل الجهاد شيء من الأعمال ) ) [فتح الباري (6/ 5) ] .
أخيرًا نقول: ولما كان الأمر كذلك كان من أهم ما ينبغي على دعاة الإسلام أن يوقظوا في الأمة روح الجهاد، مبينين لهم فضل قتال أعداء الله - عز وجل - وأن في الجهاد القتالي عزهم وشرفهم، كما أنه ينبغي أن تبقى فكرة الجهاد مستقرة في ذهن المسلم حتى في زمن سقوطه عنه لعجزه وعدم قدرته، ليبقى مستعدًا للقيام بهذا الواجب عند تحصيله القدرة اللازمة له، وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
"من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق" [أخرجه مسلم (1910) وأبو داود (2502) والنسائي (6/ 8) من حديث أبي هريرة] .
وقال - صلى الله عليه وسلم:"ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" [أخرجه مسلم (50) من حديث ابن مسعود] .
فقد دل هذا الحديث على أن جهاد الحكام الظلمة (فما بالك بالكفرة والمرتدين) قد يكون باليد وهذا أعلى من مجرد الزجر بالكلام الشديد.
قال ابن رجب الحنبلي: (( جهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات مثل أن يريق خمورهم أو يكسر آلات اللهو التي لهم أو نحو ذلك أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك وكل ذلك جائز ) ) [جامع العلوم والحكم ص: 282] .
التدريب والجهاد من أفضل القربات إلى الله وأفضل من جميع النوافل
قال الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز حفظه الله تعالى في كتابه العمدة صفحة 16 وما فوق: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ" [رواه مسلم] . وقال - صلى الله عليه وسلم - لمن أراد أن يعتزل الناس ويتعبد"لا تَفْعَلْ فَإِنَّ مُقَامَ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَامًا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَيُدْخِلَكُمُ الْجَنَّةَ أغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّة" [رواه الترمذي وحسنه عن أبي هريرة] . وعنه قال: قيل يا رسول الله ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال:"لا تستطيعونه"فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول"لا تستطيعونه"ثم قال - صلى الله عليه وسلم:"مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلا صَلاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى" [متفق عليه وهذا لفظ مسلم] .
وقال شيخ الإسلام ابنُ تيمية:[إن الجهاد أفضل من الحج والعمرة ومن التعبد في المسجد الحرامِ الذي تعدلُ الصلاة فيه مائةَ ألف صلاة في غيره من المساجد، وقد استدل على ذلك بقوله تعالى:
{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ} [سورة التوبة الآية 19] . [انظر (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 5، وج35 ص 160.] . وقد ورد في تفسير هذه الآية وفي سبب نزولها الحديث الذي رواه مسلم عن النعمان بن بشير عندما اختلف الصحابة في أي العمل أفضل؟ فنزلت الآية فحكمت بينهم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر: وكذلك اتفق العلماء ـ فيما أعلم ـ على أنه ليس في التطوعات أفضل من الجهاد. فهو أفضل من الحج، وأفضل من الصوم التطوع، وأفضل من الصلاة التطوع.
المرابطة في سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة وبيت المقدس
قال أبو هريرة - رضي الله عنه:"لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر عند الحجر الأسود". فقد اختار الرباط ليلة على العبادة في أفضل الليالي عند أفضل البقاع، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يقيمون بالمدينة دون مكة، لِمَعَانٍ منها أنهم كانوا مرابطين بالمدينة. فإن الرباط هو المقام بمكان يخيفه العدوُ ويخيف العدوَ.
فمن أقام فيه بنية دفع العدو فهو مرابط، والأعمال بالنيات. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ" [رواه أهل السنن وصححوه] . وفي صحيح مسلم عن سلمان، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"رِبَاطُ"