فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 101

الثالث: الجدوى العسكرية، فلا يجوز الإقدام على القتال إلا بعد دراسة الجدوى العسكرية منه، إذ المقصد الأصلي للجهاد هو إظهار الدين، وقد يكون العمل العسكري فرعيًا وجدواه قليلة إلا أنه يصب في الخطة العسكرية العامة، كالسرايا التي يبعثها أمير الجيش وقد تكون الجدوى سياسية محضة كإرهاب العدو وهذا كله مُعْتَبر. والمرجع في تقدير الجدوى من القتال هو الأمير وليس هذا لعموم الأفراد لأن الأمور الاجتهادية متروكة لتقدير الأمير. قال - صلى الله عليه وسلم:"إنما الإمام جُنَّة يُقَاتَل من ورائه ويُتَّقَى به" [رواه مسلم] . وقال ابن قدامة: (وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك) [المغني والشرح الكبير 10/ 373] .

الرابع: الأخذ بإجراءات السلامة والأمن: وقد يكون هذا بتشديد الحراسة على الأهداف والجند، وقد يكون باستخدام الأساليب الخداعية، وقد يكون كذلك بالأخذ بإجراءات السلامة الشخصية كلبس الدروع ونحوه وحفر الخنادق ونحوه كما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلبس الدرع وحفر الخندق مع كونه معصومًا من إيذاء الناس، قال تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ} [المائدة: 67] . فهو إنما فعل هذا تشريعًا لنا، وإذا كان القتل والجراح بقدر الله تعالى فالواجب دفع هذا القدر بالأسباب المشروعة والتي هي من قدر الله تعالى أيضا، لا الاستسلام للقتل والجراح، وإلا لزم قائل هذا القول أن يستسلم للعدو الكافر أيضًا فهذا العدو من قدر الله تعالى، فالواجب هو الدفع.

فهذه الشروط الأربعة (المشروعية ـ الراية ـ الجدوى العسكرية ـ إجراءات السلامة والأمن) إذا أخَذْتَ بها أيها المسلم وراعَيْتَها في القتال فأقدم وتوكل على الله تعالى، ولا تعبأ بما أصابك ولا بما تجنيه من هذا القتال، فهذا متروك لله تعالى.

على نقيض ما سبق تجد أن داء الجبن والوهن (حب الدنيا وكراهة الموت) داء عضال يؤدي إلى تداعي الأمم على المسلمين كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، كما في حديث ثوبان، وعلاج هذا الداء يكون بنبذ الترف كما أشرنا إليه من قبل ويكون أساسًا بترسيخ عقيدة الإيمان بالقدر بأن يعلم المسلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، فالأجل محدد سلفا، والرزق كذلك، وكل ما يصيب العبد مقدر عند الله تعالى.

قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 22 - 23] . وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا} [آل عمران: 145] . وقال تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34] . وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَة ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيه الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ" [متفق عليه] .

وعن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، واتقوا الله وأجملوا في الطلب" [رواه أبو نعيم بسند صحيح وصححه ابن حبان والحاكم] . فالرزق والأجل مقدَّران مفروغ منهما، ولهذا كَرِه كثير من السلف الدعاء بطول العمر، أما ما ورد في حديث"مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" [متفق عليه] . فقد رجَّح ابن حجر وجَزَمَ غيره بأن المراد البركة في الرزق والعمر لا زيادة ما قُدِّر منهما، وأورد بعض الآثار التي تشهد بهذا. [فتح الباري 10/ 415 - 416] . فليكن معلومًا أن الجهاد لا يقرب أجلًا ولا يمنع رزقا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت