فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 101

والذي نعنيه بالإحجام هنا، أن حب النصر مركوز في النفس كما قال تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} [الصف: 13] . وقد ينقلب هذا الحب إلى آفة تجعل المسلم يُحجم عن المشاركة في المعارك الأولية أو الثانوية خشية أن يُقْتَل ولا يعيش ليرى يوم النصر الحاسم، وهذا من الجهل بحقيقة واجبه، فالمسلم مأمور شرعًا بالجهاد وليس بتحقيق النصر الحاسم، فسواء تحقق النصر على يديه أو على أيدي إخوانه أو أبنائه فهو قد أدى واجبه بجهاده ووقع أجره على الله تعالى، إن شاء الله تعالى.

قال تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء:100] . فهذا سَعَى في الهجرة الواجبة: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا} ولم يَصِل إلى غايته بل أدركه الموتُ قبلها، ومع ذلك وقع أجره على الله تعالى. وأوضح من هذا بيان المراد:

قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [التوبة: 120 - 121] . فهذه الآية لم تترك شيئا مما يكابده المسلم في جهاد أعداء الله تعالى إلا وقررت أنه عمل صالح مَجْزِيٌّ به صاحبه، ولم يشترط لهذا إدراك الغاية والنصر.

وبالإضافة إلى هذا ينبغي أن يكون معلومًا أن من جاهد ولم يدرك غنيمةً أو نصرًا هو أعظم أجرًا عند الله تعالى ممن أدرك الغنيمة أو النصر، وهذا يُستفاد من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلا تَمَّ أُجُورُهُمْ" [رواه مسلم] . ومثله حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه قال:"هاجرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نلتمس وجه الله تعالى فوقع أجرنا على الله، فمِنّا مَنْ مات ولم يأكل من أجره شيئا منهم مصعب بن عمير - رضي الله عنه -، قتل يوم أحد وترك نَمِرة فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نغطى رأسه ونجعل على رجليه شيئا من الإذخر، ومنا من أينعت (أي نضجت) له ثمرته فهو يَهْذِبُها (أي يقطفها) " [متفق عليه] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت