فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 101

بل إنّنا نرى أنّ أغلب مسائلِ العلم التي علّمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سواء كانت في التّجارة أو بقيّة الأحكام إنّما تعلّمها الصّحابة رضي الله عنهم وهم في حال الجهاد في سبيل الله تعالى.

وأنا لا أستطيع أن أُكثر الأمثلة، أو أستوعب بعضها في ذكر النّماذج التي تشهد لهذه القاعدة، أو لهاتين القاعدتين، لكنّي أدعو طلبة العلم وغيرهم إلى فتح وقراءة صحيح البخاري مثلًا (وهو أفضل نموذج لما أقول) ، ويقرؤونه بتمعّن وتدبّر، ويحاول كلّ واحد أن يجمع سبب الحديث الوارد، بمعنى أن يذكر الزّمن الذي قيل فيه الحديث، وأين قيل، وسوف يرى أنّ أغلب مسائل الفقه في عموم الحياة كانت تقالُ في الجهاد في سبيل الله تعالى.

إنّ من أشدّ القضايا معاناة لدى الحركة الإسلاميّة هي عدم وجود القائد المناسب، والرمز الصّحيح للتيّار والحركة، وعلى الرّغم من وجود المدّة الزّمنيّة المناسبة لإفرازه إلا أن الخطوات ما زالت متعثّرة وفاشلة، ونحن نرى الشّباب المسلم من أشدّ النّاس احترامًا لمسئوليْه وقيادته، مادام بعيدًا عن القيادة، غير مختلط بها، حتّى إذا عايشها وخالطها اهتزّت لديه الثّقة، وسقط الاحترام، وبدأت صيحاته تتعالى في بيان أخطاء مشايخه وقيادته، وهذا يؤكّد أنّ إفراز القيادة بالطّرق التي اتّبعَتها هذه الحركات هي طرقٌ فاسدة وخاطئة، ومن أجل الحفاظ على صورة الشّيخ المحترم، والقائد المقبول يحاول بعضهم إحياء الطّريقة الصّوفيّة في التّعامل مع الشّيوخ، لكنّها تكون مغلفة بغلاف العمليّة أو السّلفيّة، أو التّبريرات الإداريّة التي اشتقّت من نظم جاهليّة لا تمتّ إلى الإسلام بصلة، فالمحاولات المتكرّرة في إضفاء صفةِ القداسة على القيادة لم تعد تدوم طويلًا أمام اختبارات القرب والتّعامل بين القواعد والقادة، ومن صمد منهم أمام هذه الضّغوط القسريّة من القادة، بغضّ الطرف عن النّظر إلى أنوار الشّيوخ والقادة فإنّه سيخرج صورة شوهاء من رجلٍ باع عقله وإرادته لمثل هؤلاء القوم، وحينئذٍ فإنّ الحركة تصبح مجموعةً من الأبواق التي تسير وراء ناعقٍ واحدٍ فقط، هذه الصّورة هي أقرب ما نرى في الواقع من تركيبة الجماعات الإسلاميّة [1] .

سدنة الحكام المرتدين وكهنتهم [2] : أصحاب العمائم النخرة، والوجوه القبيحة، والفتاوى المدفوعة الثمن، مثلهم: (كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) .

(1) الجهاد والاجتهاد تأملات في المنهج لأبي قتادة الفلسطيني (100 - 105) .

(2) (أعوان الحكام: من العلماء الرسمييين والصحافيين والإعلاميين والكتاب والمفكرين وغيرهم من الموظفين الرسميين الذين يتلقون رواتبهم في مقابل نصرة الباطل وتزيينه ومعاداة أهل الباطل وتشويههم.

وهذه الفئة هي أعلى الفئات صوتًا في الموالاة للحكام العملاء والقوات الصليبية الغازية لديار الإسلام، أو أهل الذمة كما يفترون. لكنهم -للأسف- هربوا من سؤال في غاية الخطورة والحرج: من يدفع الجزية لمن؟

وهذه الفئة بأخلاطها المختلفة اتبعت أسلوبًا من التلفيق العقائدي بين العقائد المنحرفة التي نبذها أئمة الإسلام سلفًا وخلفًا؛ أهل السنة والجماعة. فهذه الفئة جمعت بين:

1 -عقيدة الإرجاء في أفضح صورها -بلا حياء- في إسباغ الشرعية على أسوأ صور الانحلال والتبعية والفساد والنهب الذي تمثله الأنظمة الحاكمة المرتدة الخارجة على الشريعة.

2 -بالإضافة إلى تبنيها لمنهج الخوارج في تكفير وتفسيق وتبديع واستباحة دماء وحرمات المجاهدين العاملين للإسلام.

فمفتي الديار المصرية وهو الموظف الرسمي في الحكومة المصرية الذي يتلقى راتبه منها ليؤدي عمله الذي استأجروه عليه؛ وهو إسباغ الشرعية على النظام العلماني الباطش بالمسلمين الموالي لليهود، في صورة تتفوق في غلوها على أشد عتاة غلاة المرجئة الأوائل، هو نفسه الذي أفتي المحكمة العسكرية العلمانية بإعدام المجاهدين الخمسة أبطال الإسلام في مصر -محمد عبد السلام فرج وعبد الحميد عبد السلام وخالد الإسلامبولي وحسين عباس وعطا طايل- الذين قتلوا أنور السادات، الذي وقع أربع اتفاقيات مع إسرائيل تعهد فيها بالاعتراف بدولة إسرائيل واستيلائها على فلسطين، وعدم الاعتداء عليها أو مساندة أية دولة تعتدي إسرائيل عليها، بل ونزع سلاح سيناء ضمانًا لأمن إسرائيل، إلى غير ذلك من الاتفاقات السرية.

وأشهر هذه الاتفاقات هي اتفاقية السلام مع إسرائيل في عام 1979 التي نصت على إنهاء الحرب بين مصر وإسرائيل إلى الأبد، ومنعت مصر من مساعدة أية دولة تتعرض لعدوان إسرائيل، بل ودعت إلى التطبيع مع إسرائيل في كل المجالات السياسية والاقتصادية والفكرية، ثم أصدر الأزهر فتوى يبارك فيها هذه الاتفاقية، ويقرر فيها أنها تتفق مع الشريعة!!.

ونوع آخر من المفتين يدعون إلى طاعة أولياء الأمور، وفي نفس الوقت يعتبرون المجاهدين دعاة فتنة، وهم قد أجازوا الاستعانة بالأمريكان وباعتبار جيوشهم الجرارة التي سدت الأفق وأساطيلهم الجبارة التي ضاق عنها البحر والتي بلغت مئات الألوف من الجنود الغزاة من المستأمنين!! ولا ندري من الذي يؤمن من؟؟ وصدرت منهم فتاوى جماعية بجواز الاستعانة بالقوات الأمريكية لمواجهة النظام البعثي العراقي بدعوى الضرورة،، بل وأسبغوا الشرعية على وجود جحافل الكفار الغازية لأقدس بقاع المسلمين، وقد مر على وجود هذه القوات حتى الآن قرابة اثني عشر عامًا بعد انسحاب العراق واستسلامه، قتلت فيها تلك القوات -بالحصار- قرابة مليون ونصف مليون طفل في العراق دون أن ينطق هؤلاء الموظفون بكلمة واحدة في هذا الشأن.

والأمر ليس أمر استعانة بقوات الكفار ضد قوات صدام البعثية، بل الأمر أمر احتلال لمنابع النفط في جزيرة العرب. فلم يكن هناك ضرورة لإحضار الأمريكان، فإن جيوش الدول العربية والإسلامية كان فيها الكفاية والغنى لحماية الكويت أو تحريرها.

ولكن هؤلاء الحكام لا إرادة لهم، بل هم صنيعة المخططات البريطانية التي رسمت لهم حدودهم، ونصبتهم على عروشهم، ثم ورث الأمريكان النفوذ البريطاني، وأصبح لهم الأمر والنهي على كل حكام الجزيرة العربية وسائر العالم العربي.

إذن فقد جاء السادة ليدافعوا عن ممتلكاتهم، وليس لهؤلاء الشيوخ والملوك شأن بأمن الجزيرة العربية أو الدفاع عنها.

والآن وبعد أن استسلم العراق وفرض الحظر الجوي على نصف أراضيه واستقل الشمال الكردي عن حكومة بغداد وفرضت لجان التفتيش عليه وألزم بدفع التعويضات، بعد كل هذا لا يزال الوجود العسكري الصليبي على جزيرة العرب في ازدياد، بل إنهم يعدون لحملة جديدة على العراق ينتظر لها أن تقتل مئات الآلاف من المسلمين، حتى يستولوا على نفط العراق.

ثم سيتحولون بعد ذلك إلى -كما صرحوا في الكونجرس- إلى السعودية لتقسيمها، ثم إلى مصر وهي الجائزة الكبرى على حد تعبيرهم.

إذن المسألة ليست مسألة استعانة بل المسألة مسألة احتلال وسلب ونهب وسيطرة وقهر من الصليبيين على المسلمين في أقدس أراضيهم؛ جزيرة العرب. وهؤلاء الحكام ما هم إلا طلاء باهت على جدار الوجود الأمريكي، ثم يأتي -بعد ذلك- علماء السلطان ليوقعوا على الفتاوى المحولة لهم من المقام السامي، التي تبيح هذا الاستيلاء وهذا النهب وهذا التسلط الصليبي بل وهذا السفك لدماء المسلمين في العراق.

ثم يفتي المفتي العام للسعودية -أيضًا- بجواز الصلح مع إسرائيل لأن الذي عقده معهم هو ولي أمر المسلمين (ياسر عرفات) .

وبعض المنتسبين إلى الدعوة في الكويت صرخوا بعد قتل المجاهدين للأمريكان في فيلكا، وانتفضوا غاضبين للتعدي على الصليبيين الذين وصفوهم بأهل الذمة، ونسوا أن أهل الذمة يعيشون تحت ظل سلطان المسلمين، ويدفعون لهم الجزية، وتجري عليهم أحكام الإسلام، بينما هؤلاء المشايخ وأمرائهم يعيشون تحت قهر الصليبيين وفي سلطانهم، ويلجأون إلى حمايتهم ويدفعون لهم الأموال الباهظة طوعًا وكرهًا حتى يرضوا عنهم، ولا يستطيعون أن يخالفوا إرادتهم قيد أنملة. فمن في ذمة من؟ ومن يدفع الجزية لمن؟ ومن في قهر من؟

ونسوا أيضًا أن الكويت من جزيرة العرب ولا يجوز بقاء اليهود والنصارى فيها أصلًا.

وكل هؤلاء -الذين يقطعون الطريق إلى الله- يأمرون الناس بطاعة أولئك الخارجين على الشريعة في ترك الجهاد الواجب، فارتكبوا بذلك عدة مصائب:

أ- أعانوا على استمرار استيلاء الكفار على بلاد الإسلام.

ب- ثبطوا الناس عن الجهاد العيني المفروض عليهم.

ج- أضفوا الشرعية على الحكومات الباطلة الخارجة على الشريعة.

د- سبوا المجاهدين وافتروا عليهم.

ومن الحيل التي يسوقها هؤلاء دعواهم أن الجهاد حق وواجب وأنه طريق الخلاص ولكن ليس الآن وقته، فالمرحلة الآن مرحلة الإعداد، والمرحلة الآن مرحلة التفرغ للدعوة، إلى آخر هذه الدعاوى.

ويجادلون عن هذه الشبهة جدالًا شديدًا، ولكنهم يتهربون من السؤال المحرج الخطير: لماذا بعد كل هذه العقود من المذلة لم تعدوا شيئًا؟ ومتى سينتهى هذا الإعداد؟ ولا جواب عندهم لأن الإعداد عندهم لا نهاية لمدته. قال الله تعالى: (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة) [التوبة 46] .

وليتهم حتى أصلحوا عقائد الناس، وبينوا لهم عقيدة التوحيد الصافية كما أنزلت على النبي r، وكما نقلها السلف الصالح، ولكنهم -وللأسف- يبدون بعضها ويخفون كثيرًا منها.

فجل كلامهم في التوحيد ينصب على العامة والضعفاء، أما خروج الحكام الطواغيت عن الإسلام وموالاتهم لليهود والنصارى فلا يتطرقون إليه.

ومن العجب أن بلاد الإسلام واقعة تحت النفوذ الأجنبي منذ عقود، وليس الوجود العسكري الاحتلالي الصليبي الحالي نتيجة مفاجأة أو انقلاب طارئ في السياسة الدولية، بل هو ثمرة سياسة مستمرة من التبعية للغرب تمتد لما يزيد عن مائة عام، ومع ذلك لم نسمع من هؤلاء عن هذه المصيبة شيئًا إلا نادرًا وبإشارات عابرة وبعيدة.

وتارة يشغبون بقولهم إن المجاهدين لا يقدرون المصالح والمفاسد، وأن ما جلبوه من المفاسد أكثر مما حققوه من المصالح، ولكنهم لا يجيبون على السؤال المحرج: حسنًا، وما هو الأسلوب الجهادي الذي تقترحونه والذي يحقق المصالح ويتجنب المفاسد؟ والجواب عندهم هو: ترك الجهاد.

وإذا سألتهم: لو فرضنا أن المجاهدين لم يقوموا بواجبهم، وانضموا إلى صفكم؛ صف القاعدين التاركين للجهاد تحت شتى المبررات، فهل كان أعداء الأمة سيتوقفون عن عدوانهم؟ وهل كان الفساد والإفساد سينحسر؟ وهل كان اليهود سيرحلون عن فلسطين؟ وهل كانت إسرائيل ستكف عن مخططها لتهويد فلسطين وهدم المسجد الأقصى والسعي لإقامة إسرائيل الكبرى؟ وهل كان العلمانيون سيكفون عن زيغهم وتضليلهم؟ وهل كان مروجو الفاحشة سيتوبون ويتعففون؟ وهل كان الطواغيت الحاكمون سيتركون كراسيهم ويفتحون أبواب السجون ويكفون جلاديهم عن تعذيب شعوبهم؟ وهل وهل؟

ثم يضيفون إلى هذه الشبهات مزيدًا من السحب والحجب، فيخاطبون الشباب بقولهم: لماذا لا تنشغلون بطلب العلم؟ لماذا لا تنشغلون بمحاورة الكفار ومجادلتهم؟ لماذا لا تنشغلون بإنشاء المدارس ورعاية الأيتام ومداواة المرضى؟ لماذا لا تنشغلون بالدعوة إلى العقيدة الصحيحة؟ وليتهم صدقوا في دعوتهم لتصحيح العقيدة. وحقيقة دعوتهم هي: لماذا لا تنشغلون عن الجهاد؟؟

إنه مرض فقدان المناعة العقائدي الفكري، فلنحذره أشد الحذر، فإن عاقبته الضياع والخسران والذل والاستسلام.

وحاصل دعوتهم تثبيط المجاهدين عن الجهاد، وإخلاء الميدان من الشباب المجاهد حتى يأمن الغزاة المعتدين من أية مقاومة أو تدافع، ولذلك فإن أعداء الإسلام ينظرون إليهم في رضا ويشيرون على حكوماتهم بإفساح المجال لهم) أ. هـ نقلا عن كتاب (الولاء والبراء عقيدة منقولة وواقع مفقود) (23 - 26) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت