فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 101

يحاول بعض السذج من المنتسبين للعلم والدين أن يستخدم بعض الأحاديث والآثار السلفية، في التنفير من الاقتراب من السلاطين وذلك بإنزالها على الواقع المعاصر، وهذا خطا قبيح فج، فإن الواقعتين بينهما من الاختلاف ما لا يمكن حمل الواحدة على الأخرى، فالسلاطين الذين تكلم الأئمة الأوائل عنهم، وحذروا من الاقتراب منهم، هم أولا وقبل كل شيء مسلمون، خلطوا عملا صالحا وآخر غير ذلك، لكنهم كانوا على الدوام بيضة الإسلام وحماته، ودرعه الذي دفعت به عوائد الحياة ومحن الزمن، وطوارق الأعداء، وكانوا على الدوام خاضعين لأحكام الملة، وقواعد الشريعة، ولم يألوا جهدا في إصابة الحق وتحريه.

فأين حكامنا من هؤلاء؟!.

حكام هذا الزمن خرجوا من الإسلام من جميع أبوابه، فهم معرضون عن دين الله رادون لأحكامه مستهزئون بالدين وشرائعه وأهله، موالون لكل ملة سوى ملة الإسلام، فأي عمى هذا الذي أطبق على أعين الناس حتى جعلهم لا يكتشفون ردة حكامهم؟ فهل نستطيع أن نقول أن امتناع جمع من (السدنة) المنتسبين للعلم والفقه من تكفير هؤلاء الحكام بسبب شبه علمية؟.

إن الشبه العلمية التي يستحق أن تختلف حولها الأنظار والعقول، هي تلك الشبه الخفية الدقيقة، أما تلك التي يصطدم بما الأعشى، بل الأعمى لعظمها وكبرها، فلا تستحق أن تسمى شبها.

إن السبب الحقيقي لموقف هؤلاء (السدنة) في الحقيقة شهوات النفوس. إنها شهوة المال والمنصب، وخوف ذهاب الاسم من سلم الوظائف الحكومية. نعم إنها تنافس البلوغ لتحقيق الشهوات.

نستطيع أن نقول إن الطاغوت المعاصر قد استطاع بسط ألوهيته الباطلة على الأرض بعدة عمد وأركان، ومن هذه الأركان: صك الورق النقدي، ووثائق إثبات الشخصية ومنها وثيقة السفر (جواز السفر) ، والشهادات الدراسية.

هذه أهم مقومات الطاغوت المعاصر وبها استطاع أن يفرض سلطانه على الناس ويربط مجرى الحياة به ومن خلاله، فهو يستطيع أن يمنع ويعطي، وبإرادة واحدة منه يجعل الورقة المهينة التي لا قيمة لها ولا وزن ورقة نقد تحنى لها الرقاب وتذل لها النفوس وتكتسب قدرة خارقة لتحصيل المال والطعام والمسكن والملبس ورغد الحياة، وبها يصبح ربا مزيفا، يمن على هذا ويمنع هذا.

ومثلها كذلك وثائق إثبات الشخصية فمن خلالها يستطيع أن ينفي الإنسان من الحياة، ويجعله أثرا بعد عين لا وجود له، ومن خلالها يستطيع أن يثبت نسبك لتلك البلد أو يسلبها منك، وبها تستطيع أن تتنقل بين البلاد، ومثلها الشهادة المدرسية (ولشرح هذه الأركان مواطن أخرى) .

هذه الصورة المنكوسة للشيوخ جعلت الشباب يتساءلون: لماذا خلا تاريخنا من العلماء المقاتلين؟ وشبابنا على الجملة يحترمون شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لأنهم رأوا فيه صورة العالم الفقيه المقاتل، وظنوا أنه لا يوجد له مثال وشبيه، وهذا خطأ فإن من القليل النادر أن تجد عالما من علمائنا الأوائل إلا وهو مقاتل من الدرجة الأولى، بل إن بعضهم كان في مرتبة القيادة العسكرية، مثل أسد بن الفرات، وإن الكثير من أئمة الحديث قد صنفوا كتبهم، وعقدوا مجالس التحديث في الأربطة القتالية، على ثغور المسلمين.

ومثل هذه الثنائيات الباطلة، التفريق بين الإداري والفقيه، والقائد والفقيه، وغير ذلك مما أعطت صورة غثائية عن الفقيه المسلم [1] .

(1) الجهاد والاجتهاد تأملات في المنهج لأبي قتادة الفلسطيني (160 - 166) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت