أما الحاكم الكافر فلم يجوزوا الخروج عليه فقط بل أوجبوا الخروج عليه فقال الحافظ ابن حجر: والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه، وقال ابن بطال: إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها، وقال القاضي عياض: فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر.
ولكن رغم وضوح الأدلة في كفر هذه الحكومات ووجوب الخروج عليها فإنه قد يقول قائل فإننا لا نستطيع الخروج عليهم ولا طاقة لنا بهم، وقد قال تعالى {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة:286] ، ونقول إن هذا صحيح من وجه فإن الله تعالى لا يكلف العبد ما لا يستطيع، ولكن عدم القدرة لا يسقط الإعداد لتحصيل القدرة، فالذي يجب على المسلمين هو أن يعدوا العدة حتى يستطيعوا الخروج على الحاكم الكافر وخلعه والأدلة على ذلك هي:
قوله تعالى {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60] .
قال الإمام القرطبي: أمر الله سبحانه المؤمنين بإعداد القوة للأعداء. [1] ، والأمر يحمل على الوجوب ما لم تصرفه قرينة كما قال علماء الأصول.
وقوله تعالى {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين} [التوبة: 46] .
قال الإمام الجصاص في تفسير هذه الآية: العدة ما يعده الإنسان ويهيئه لما يفعله في المستقبل وهو نظير الأهبة وهذا يدل على وجوب الاستعداد للجهاد قبل وقت وقوعه وهو كقوله تعالى {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} . [2]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: يجب الاستعداد للجهاد، بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. [3]
وقال الإمام النووي في تعقيبه على قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «من علم الرمي ثم تركه فليس منا -أوقد عصى-» : هذا تشديد عظيم في نسيان الرمي بعد علمه، وهو مكروه كراهة شديدة لمن تركه بلا عذر». [4]
فإذا كان هذا الزجر والوعيد في حق من تعلم الرماية ثم لم يواظب على التدريب حتى لا ينساها، فكيف بمن لم يتعلمها ابتداءً؟
لقد تبين لك مما سبق وجوب الإعداد للجهاد وأن ترك الإعداد من صفات المنافقين، وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - المقصود بالقوة التي يجب إعدادها في الحديث الذي رواه مسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه"قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر يقول وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي". [5]
ولكني أريد التنبيه هنا على عدة أمور:
الأول: أنه لا ينبغي إغفال الإعداد الإيماني بتربية المجاهدين على طاعة الله عز وجل وغرس معاني الإخلاص والإيثار والصبر والبذل والتضحية والتوكل واليقين وغير ذلك في نفوسهم.
(1) الجامع لأحكام القرآن ج8/ 35، ط: مكتبة الغزالي.
(2) أحكام القرآن ج3/ 119،120.
(3) مجموع الفتاوى ج28/ 259.
(4) صحيح مسلم بشرح النووي، ج13/ 69، والحديث رواه مسلم، ك: الإمارة، ب: فضل الرمي والحث عليه وذم من علمه ثم نسيه.
(5) رواه مسلم، ك: الإمارة، ب: فضل الرمي والحث عليه، وذم من علمه ثم نسيه.