-ولا بد أن تتبنى الحركة الجهادية خطتها على أساس السيطرة على بقعة من الأرض في قلب العالم الإسلامي تقيم دولة الإسلام فيها وتستطيع حمايتها وتخوض منها معركتها لإعادة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
هـ - فكما أن النصر للجيوش لا يتحقق إلا باحتلال المشاة للأرض، فكذلك النصر للحركة الإسلامية المجاهدة لن يتحقق ضد التحالف العالمي إلا بامتلاكها لقاعدة أصولية في قلب العالم الإسلامي، وكل ما استعرضناه من وسائل وخطط لحشد الأمة وتجييشها سيظل مكسبًا معلقًا في الهواء دون نتيجة ملموسة وعائد مشاهد ما لم يؤد الى إنشاء دولة الخلافة في قلب العالم الإسلامي.
لقد خاض نور الدين زنكي ومن بعده صلاح الدين الأيوبي رحمة الله عليهما عشرات المعارك حتى استطاع نور الدين تخليص دمشق من أيدي المنافقين ثم توحيد الشام تحت قيادته، وأرسل صلاح الدين الى مصر فخاض المعارك تلو المعارك حتى اخضع مصر لسلطانه ثم بعد أن توحد سلطان الشام ومصر لصلاح الدين الأيوبي بعد وفاة نور الدين ـ استطاع السلطان المجاهد صلاح الدين الأيوبي ـ الانتصار في حطين ثم فتح بيت المقدس وعندئذ بدأ التاريخ يدور دورته على الصليبيين.
إن العمليات الناجحة ضد أعداء الإسلام والنكايات الفادحة فيهم إن لم تصب في مخطط يهدف الى إقامة الدولة المسلمة في قلب العالم الإسلامي، فلن تعدو مهما كانت من ضخامتها أن تكون عمليات إزعاج يمكن استيعابها وامتصاص آثارها ولو بعد وقت وبشيء من الخسائر.
إن إقامة الدولة المسلمة في قلب العالم الإسلامي ليست هدفًا سهلًا ولا مغنمًا قريبا، ولكنها أمل الأمة المسلمة في عودة خلافتها بعد أن سقطت وأعادت مجدها بعد أن ذهب.
و ـ وإذا كان هدف الحركة الجهادية في قلب العالم الإسلامي عامة ومصر خاصة هو إحداث التغيير وإقامة الدولة المسلمة، فعليها ألا تتعجل الصدام وألا تستبطئ النصر.
وعلى الحركة المجاهدة أن تصبر على البناء حتى تستوفي أركانه، وتحشد من الإمكانيات والأنصار والخطط ما يمكنها من أن تخوض المعركة في الزمان والميدان اللذين تختارهما.
ولكن يرد هنا سؤال في غاية الأهمية والخطورة وهو:
ماذا لو تعرضت الحركة لانكشاف أعضائها أو خططها، أو لاعتقال أفرادها، وصار وجود الحركة مهددا، وبدأت حملة الاعتقالات والمداهمات تلتهم أفرادها وأموالها وإمكانياتها وقياداتها؟
هنا يجب على الحركة ان تسأل نفسها سؤالا محددًا ثم تجيب عليه إجابة واضحة.
هل يمكنها أن تختفي من أمام العاصفة، وتنسحب من الميدان بأقل خسائر؟ أم أن الصبر غير مجد، ولا يعني إلا الهزيمة التامة، ولا مجال للانسحاب؟
أو ربما كانت الإجابة مزيجًا من الاحتمالين الآنفين، أي إنها يمكنها أن تسحب بعض قياداتها وأفرادها بأمان، ولكن جزءًا منها معرض للأسر والبطش.
والإجابة في رأيي: هو أن تسحب الحركة من تستطيع أن تسحبهم بأمان الى مأمنهم دون تردد أو تلكؤ أو ركون الى الأوهام، فان أخطر ما يواجه من يضيق عليه الحصار هو قرار الهرب. فمن أقسى الأمور على النفس ترك الأهل والوظيفة والمنصب والنمط المستقر في الحياة الى المجهول والقلق والعيش المتقلب.