المرأة بنفسه دون أن يرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سمع بذلك لم ينكر عليه قتل تلك المرأة ولم يأمر بديتها ولا قال: هذا افتئات على الإمام وحقه ولا جعله منكرًا أو بدّع فاعله بل أقرّه وأهدر دمها .. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في أدلة أخرى ما يدل على هذه المسألة وعلل ذلك بقوله: (وذلك لأن من وجب قتله لمعنىً يكيد به الدين ويفسده ليس بمنزلة من قتل لأجل معصية من زنىً ونحوه) اهـ. وفيه التفريق بين إقامة الحدود على العصاة في سائر الذنوب وبين حدِّ من يطعن في رب العالمين أو دين أو نبي جميع المسلمين فقتل الساب لله أو لدينه إن كان حدًا من الحدود فإنه كقتل الحربي الذي يحارب المسلمين والذي يتحتم قتله (يجوز قتله لكل أحد) .
ونحن نقول لكل معترض علينا أين الإمام الذي يقيم شرع الله ويطبق حدوده ويوالي المؤمنين ويعادي الكافرين ويقيم الجهاد ويفرض الجزية على الكافرين فإن كنتم ترونه فهد بن عبد الانجليز (أبو رغال) [1] فأقول لكم بملء فمي كل شروط الإمامة من العقل إلى الإسلام إلى سلامة الحواس إلى القرشية الخ كلها غير متوفرة فماذا تنقمون علينا إلا أن جاهدنا وأردنا إعادة تعبيد العباد لرب العباد والأيام بيننا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
وكذلك المعاهد الذي نقض عهده سواء بأن نكث أيمانه أو بأن طعن في ديننا أو سب الله ورسوله وكذلك الذمي [3] ولو تأملنا قليلا لعلمنا أن الذميين لا وجود لهم في العصر الحاضر وأهل العهد كذلك لا وجود لهم إلا عند علماء السلاطين الضالين الذين رضوا بالحكام المرتدين أولياء أمور لهم فضلوا وأضلوا كثيرا عن سواء السبيل ولا حول ولا قوة إلا بالله
(1) لعل أشهر شخص في تاريخ العرب يضرب به المثل في خيانته للأمة هو (أبو رغال (الذي سارع لتقديم خدماته لجيش أبرهة الحبشي الذي غزا جزيرة العرب وتوجه بجيشه إلى الكعبة المشرفة لهدمها ليصرف العرب عن أقدس مقدساتهم فلما عجز العرب عن مواجهة جيشه وعلموا أنهم لا طاقة لهم به قاطعوه فانبرى(أبو رغال) يقدم له خدماته فكان دليله إلى البيت الحرام وقد هزم الله عز وجل أبرهة وجيشه وحمى بيته المحرم ومات أبو رغال في تلك الغزوة فكان جزاؤه أن تخذ العرب قبره مرجمًا فلا يمر على قبره عربي إلا رجمه بالحجارة لخيانته أمته ووقوفه مع عدوها وعدو دينها وصار العرب يضربون به المثل في الخيانة حتى قال الشاعر الأموي جرير يهجو الفرزدق:
إذا جاء الفرزدق فارجموه ... كما ترمون قبر أبي رغال
وتكرر مثل هذا المشهد التاريخي سنة 656 هجرية عندما غزت الجيوش المغولية الأمة الإسلامية فانبرى الوزير ابن العلقمي وصدر الدين الطوسي يقدمان خدماتهما ومشورتهما لملك المغول (هولاكو (الذي قتل الخليفة ورجال الدولة ودمر عاصمة الخلافة وقتل 800ألف وقيل ألف وقيل ألفي ألف كما ذكر ذلك ابن كثير وأبن الأثير رحمهما الله في أبشع حادثة عرفها التاريخ البشري ليصبح ابن العلقمي وصدر الدين الطوسي رمزين للخيانة والعمالة للعدو الخارجي يقول ابن الأثير عند ذكر لأحداث 656هـ في كتابه الكامل للتاريخ وهو ممن عاصر وعايش تلك الأحداث:(يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا) وها هو المشهد يتكرر بتكرار النكبات والهزائم فلا يظهر على هذه الأمة عدو خارجي إلا ظهر فيها من يشايعه ويقدم إليه خدماته ويبرر جرائمه ويدافع عن سياساته ويبشر بفكره ويدله على عوراتها أو نقاط ضعفها كما فعل أبو رغال وابن العلقمي وصدر الدين الطوسي من قبل وقد كان الأول فقيرا والثاني وزيرا والثالث فقيها إلا أنهم جميعا كانوا من نمط واحد ومن طابور واحد؟
وما حدث للأمة في أزمة الخليج الثانية هو مشهد من هذه المشاهد فجاءنا أبو رغال جديد فأباح جزيرة العرب المخصوصة بعشرات النصوص الشرعية للصليبين والصهاينة والمصيبة أن ذلك تم تحت غطاء شرعي!!! إذا أبو رغال هذه المرة صار ملكا تحت يده شيوخ يصبغون على أعماله الغطاء الشرعي.
ملاحظة: سبب اشتهار هذه التسمية هو ذكر الشيخ القائد المجاهد أسامة بن لادن لها (في شريطه المدمرة كول) نصره الله هو وإخوانه آمين.
(2) قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله في الصارم المسلول (385) : (المحاربة نوعان: محاربة باليد ومحاربة باللسان والمحاربة باللسان في باب الدين قد تكون أنكى من المحاربة باليد ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يقتل من كان يحاربه باللسان مع استبقائه بعض من حاربه باليد خصوصا محاربة الرسول r بعد موته فإنها إنما تمكن باللسان وكذلك الإفساد قد يكون باليد وقد يكون باللسان وما يفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تفسده اليد كما أن ما يصلحه اللسان من الأديان أضعاف ما تصلحه اليد فثبت أن محاربة الله ورسوله باللسان أشد والسعي في الأرض لفساد الدين باللسان أوكد فهذا الساب لله ولرسوله أولى باسم المحارب المفسد من قاطع الطريق) أ. هـ.
(3) قال ابن القيم رحمه الله(الكفار إما أهل حرب وإما أهل عهد. وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة وأهل هدنة وأهل أمان. وقد عقد الفقهاء لكل صنف بابًا فقالوا: باب الهدنة، باب الأمان، باب عقد الذمة. ولفظ «الذمة والعهد» يتناول هؤلاء كلهم في الأصل، وكذلك لفظ «الصلح» .إلى أن قال: ولكن صار في اصطلاح كثير من الفقهاء «أهل الذمة» عبارة عمن يؤدي الجزية، وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله، إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله.
بخلاف أهل الهدنة فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم سواء كان الصلح على مال أو غير مال لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة لكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين وهؤلاء يسمون أهل العهد وأهل الصلح وأهل الهدنة.
وأما المستأمن: فهو الذي يَقْدُم بلاد المسلمين من غير استيطان لها وهؤلاء أربعة أقسام: رُسُل وتجار ومستجيرون حتى يُعرض عليهم الإسلام والقرآن فإن شاؤوا دخلوا فيه وإن شاؤوا رجعوا إلى بلادهم وطالبوا حاجة من زيارة أو غيرها. وحكم هؤلاء ألا يجاهدوا ولا يُقتلوا ولا تؤخذ منهم الجزية وأن يُعرض على المستجير منهم الإسلام والقرآن فإن دخل فيه فذاك وإن أحب اللحاق بمأمنه ألحق به ولم يعرض له قبل وصوله إليه فإذا وصل مأمنه عاد حربيا كما كان) (أحكام أهل الذمة) لابن القيم (2/ 475 - 476) .