إن من الأسرار اللطيفة في آيات الجهاد بالقرآن، تقديم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في جميع الآيات التي جمعت بينهما إلا آية بَيْعة الجهاد بسورة التوبة، وهي على وجه الحصر عشر آيات كالتالي حسب ترتيب السور:
1، النساء قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} [آية 95] .
2، الأنفال قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} [آية 72] .
3 -7، التوبة قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} [آية 30] والآيات 41 و44 و81 و88 في سورة التوبة.
8، الحجرات: قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ} [15] .
9، الحديد: قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} [10] .
10، الصف: قوله تعالى: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ} [آية 11] . أما الآية الفريدة التي قُدمت فيها النفس على المال فهي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ} [التوبة آية 111] .
فتقديم المال على النفس في معظم الآيات ليس لفضله على النفس، بل إن الجهاد بالنفس أعظم ولكنه لا يتم إلا بالمال، فالإنفاق في سبيل الله لازم لإعداد الجيوش ولا يتم الجهاد بالنفس إلا بعد الجهاد بالمال، أما آية {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى} فهذا مقام المبايعة مع الله وقد عرض الله سلعة غالية فوجب على العبد أن يقدم في شرائها أغلى ما يملك وهي النفس، فلذلك قدمت النفس على المال في هذه الآية التي تُبَيِّن كرم الله عز وجل فإنه يملك نفوس الخلق جميعا ومع ذلك فقد اشتراها من المؤمنين بالعِوض وهو الجنة.
ولذلك أقول إن تقديم المال على النفس في معظم الآيات هو تقديم ترتيب إذ لا يتم الجهاد بالنفس إلا بعد بذل المال، أما تقديم النفس على المال في آية المبايعة فهو تقديم تفضيل، كما قال الشاعر:
الجود بالمال جود فيه مكرمة والجود بالنفس أقصى غاية الجود
ومعلوم كذلك أن النفس مقدمة على المال في الضروريات الشرعية الخمس، وقد أشار إلى هذا التقديم والتأخير العلامة الشنقيطي في تفسيره (أضواء البيان) عند تفسير آية الصف، فقال: [في هذه الآية الكريمة تقديم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في قوله تعالى: {وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ} [الصف 11] . وفي آية إن الله اشترى من المؤمنين، قدم النفس على المال فقال: {اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} ، وفي ذلك سر لطيف. أما في آية الصف، فإن المقام تفسير وبيان لمعنى التجارة الرابحة بالجهاد في سبيل الله.