حكى ابن جرير الإجماع (تفسير ابن كثير مجلد 3 صـ 10 سورة المائدة 2) على أن المشرك يجوز قتله إذا لم يكن له أمان وإن أم البيت الحرام أو بيت المقدس. أهـ.
وقد اتفق العلماء سلفًا وخلفًا على وجوب قتال أهل الكفر ما توافرت القدرة على ذلك، فقد وجب قتالهم بقول الله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة 193] .
وقوله تعالى: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة 36] . ووجبت حال القدرة لقول الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها] [البقرة 286] . وقوله سبحانه: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} [الأنفال 60] . إذا عُلم ذلك، فإن الكافر إما أن يكون معاهدًا أو غير معاهد فإن كان غير معاهد فهو مباح الدم والمال، وإن كان معاهدًا فإن العهد يعصم دمه فترة العهد ولا تزول عصمة دمه إلا بزوال العهد أو أن يقوم هو بنقض العهد أو أن ينبذ إليهم عهدهم.
فقد أمر الله تعالى بقتال الكافرين وقتلهم فقال: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (التوبة: 5) . وقال سبحانه: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} (الأنفال:39) وقال: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} (التوبة:29) .
وقال - صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" [البخاري] . وقال - صلى الله عليه وسلم:"اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله" [مسلم] .
وهذه النصوص وغيرها تبين بجلاء أن علة قتال الكفار هي كفرهم فقد رتبت الآيات والأحاديث القتال علىكونهم كفارًا، قال القرافي -رحمه الله-: (( ظواهر النصوص تقتضي ترتيب القتال على الكفر والشرك ... وترتيب الحكم على الوصف يدل على عِلِّيَة ذلك الوصف لذلك الحكم وعدم عِلِّية غيره ) ) [الذخيرة (3/ 387) ] .
1 -أقوال الحنفية:
ففي الهداية وشرحه فتح القدير: (( وقتال الكفار الذين لم يسلموا وهم من مشركي العرب أو لم يسلموا ولم يعطوا الجزية من غيرهم واجب وإن لم يبدؤونا؛ لأن الأدلة الموجبة له لم تقيد الوجوب ببداءتهم وهذا معنى قوله للعمومات ... ) ) [شرح فتح القدير للكمال بن الهمام على الهداية لبرهان الدين المرغيناني (5/ 441) ] .
وقال في شرح العناية على الهداية بعد أن ذكر العمومات الواردة في قتال الكفار كقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} وقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} قال: (( فإن قيل العمومات معارضة بقوله تعالى: {فإن قاتلوكم فاقتلوهم} فإنه يدل على أن قتال الكفار إنما يجب إذا بدؤوا بالقتال، أجيب بأنه منسوخ وبيانه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في الابتداء مأمورًا بالصفح والإعراض عن المشركين ... ثم أُذن بالقتال إذا كانت البداءة منهم ... ثم أمر بالقتال ابتداء في بعض الأزمان