بقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ... } الآية، ثم أمر بالبداءة بالقتال مطلقًا في الأزمان كلها وفي الأماكن بأسرها فقال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ... } وقال سبحانه: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ... } الآية ... )) [شرح العناية على الهداية للبابرتي المطبوع مع شرح فتح القدير (5/ 441) ] . وقال مثل ذلك العيني في شرحه على الهداية. [شرح العيني على الهداية المسمى بالبناية (6/ 493) ] .
وقال السرخسي: (( وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مأمورًا في الابتداء بالصفح والإعراض عن المشركين ... ثم أمر بالقتال إذا كانت البداية منهم ... ثم أمر بالبداية بالقتال ... فاستقر الأمر على فرضية الجهاد مع المشركين ) ) [المبسوط (10/ 2) ] .
فهذا يبين أن مجرد كفرهم وامتناعهم عن الإيمان مبيح لقتالهم لكن بشرط أن تكون قد بلغتهم الدعوة ولوكان درء الحرابة هو علة قتالهم لذكر أن الله حرم قتالهم حتى تبدو منهم حرابة كما فعل ذلك بالنسبة لشرط بلوغ الدعوة.
والدعوة في هذه الأزمان قد بلغت كل المجتمعات فإن كل البلاد ووسائل الإعلام تتحدث عن الإسلام وأنه دين إرهابي بزعمهم، فيكون بذلك قد أقيمت الحجة الرسالية على جل سكان الأرض إن لم نقل كلهم.
فهذه النصوص من كتب الحنفية المعتمدة تدل دلالة قاطعة على أن القول عندهم أن المبيح لقتال الكفار هو كفرهم لا درء حرابتهم، فيقاتلون ابتداء وإن لم يبدؤونا فما بالك بمن يقاتلون ويقتلون المسلمين اليوم في كل أنحاء العالم.
2 -وأما المالكية:
فقد قال ابن رشد في بداية المجتهد: (( فأما الذين يُحاربون فاتفقوا على أنهم جميع المشركين لقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} فكون الاتفاق قد وقع على أن المقاتَلين هم جميع المشركين يعني أن العلة هي كونهم مشركين قال القرافي عند تعداده لأسباب الجهاد:
(( السبب الأول: وهو معتبر في أصل وجوبه ويتجه أن يكون إزالة منكر الكفر فإنه أعظم المنكرات ومن علم منكرًا وقدر على إزالته وجب عليه إزالته ويدل على هذا قوله تعالى:
{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} والفتنة هي الكفر )) [الذخيرة (3/ 387) ] .
وجاء في الشرح الصغير: (( الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله تعالى كل سنة فلا يجوز تركه سنة كإقامة الموسم بعرفة والبيت وبقية المشاهد كل سنة فرض كفاية ) ) [الشرح الصغير (2/ 267 - 272) ] .
فتحديد جهاد الطلب بأنه مرة في كل سنة يبين أننا نقاتل الكفار لكفرهم وإن لم تظهر منهم حرابة؛ لأن القتال لو كان لا يجوز إلا عند عدوانهم، أو ظهور قصد العدوان منهم لم يجز التحديد بأن يكون في كل سنة مرة، ولكان الواجب حينئذ أن يقول إنه يجب عند الحاجة إليه لدرء الحرابة عن المسلمين.
قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} (التوبة:29) .
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} (البقرة:193) قال: (( أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع ... وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار، دليل ذلك قوله تعالى: {ويكون الدين لله} وقال - عليه السلام:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" [البخاري] . فدلت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر لأنه قال سبحانه: {حتى لا تكون فتنة} أي كفر فجعل الغاية عدم الكفر وهذا ظاهر ) ) [تفسيرالقرطبي (2/ 353) ] .