هل يحل للمسلم الاعتراف على المسلمين وإحضارهم إلى الكافرين مع الإكراه؟
نقول ولله الحمد: إنه لا إكراه أبدًا لمثل هذه الحالة، ولا يعتبر إكراهًا يعود بالضرر على المسلمين، وليس الإكراه مانعًا من لحوق الإثم لمن فعل مثل هذا الفعل، وحرمة هذا الأمر شرعًا وعقلًا واضحة كما كانت عند سلفنًا الصالح محكمة بينة واضحة.
هناك العديد من الآيات والأحاديث الدالة على حرمة الإضرار بالمسلمين، ووجوب العون لهم والوقوف معهم ونصرتهم، وهذا من موالاة المؤمنين.
فكيف يحل الإضرار بهم بحجة الإكراه؟ وكيف تلغى كل تلك الواجبات، وأيضًا الحرمة، من أجل أمر مثل هذا؟ أنه خطأ بيّن أن يظن أن الضرر بالمسلمين عند الإكراه رخصة.
وقد أجمع العلماء على وجوب فك أسرى المسلمين بالمال والنفس وحرمة التفريط فيه، وعدم الإعانة عليه، ثم المسلم يخالف هذا الوجوب وهذه الحرمة ليحضر أخاه إلى الكفار ويضعه أمامهم ليفعلوا فيه ما حرمه الله تعالى، ثم إن المسلم هو القوي والكافر هو الضعيف، والمسلم أعلى وأجلّ من الكافر، فكيف يتم العكس؟ وكل ذلك بحجة الإكراه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه (السياسة الشرعية) عن من آوى محاربًا، أو سارقًا، أو قاتلًا ونحوهم، ممن وجب عليه حد أو حق لله تعالى، أو لآدمي، أو أنه عرف مكانه، كان عليه الإعلام به، والدلالة عليه، ولا يجوز كتمانه فإن هذا من باب التعاون على البر والتقوى وذلك واجب.
بخلاف ما لو كان النفس أو المال مطلوبًا بباطل، فإنه لا يحل الإعلام به، لأنه من التعاون على الإثم والعدوان، بل يجب الدفع عنه، لأن نصر المظلوم واجب، ففي الصحيحين، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا". قلت: يا رسول الله: أنصره مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال:"تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه" [السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص (99) ط / دار الكتاب العربي] .
إن الحرمة قائمة، وعلى المسلم تحمل التعذيب والسجن والقتل، وأن يقدم نفسه لأجل إخوانه بتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، وبأن يختار أهون الشّرين.
وقديمًا كان الإكراه على الكفر بالله، كما جرى للصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ولكن الإكراه اليوم يقع لأجل الضرر بالمسلمين، والاعتراف عليهم وسجنهم وقتلهم.
فالإكراه الأول: قد رخصّ فيه الله تعالى وهذا سبب نزول الآيات [سورة النحل 106 - 110] .
أما الثاني: فلم يرخص فيه الشرع أبدًا، بل هو محرم، ومن فعله وقع في الإثم والعياذ بالله.
ومن الخطأ الكبير الخطير، أن يقاس الثاني على الأول، فالأول في حق الله تعالى وقد رخصّ فيه، أما الثاني ففي حق المسلمين، ولم يرخصّ فيه الله تعالى، والمسلم لا يرضى لنفسه العذاب والوقوع في الأسر والقتل، وأيضًا المفسدة راجحة والمصلحة معدومة، ولأن الأول يتعلق بعقيدة القلب، ومع صلاح القلوب لا يضر قول الكفر أو فعله عند الإكراه الملجئ، فهنا المفسدة هلاك المسلم مع صلاح عقيدته وسلامتها، فرخص فيه الشارع مع أن العزيمة أولى.