فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 101

والثاني كيف يكون المسلم صالح العقيدة، وهو يضع أخاه في أيدي الكفار، فيعذبونه ويفعلون به المنكر؟ حتى القتل فيقول أنا مكره على ذلك مع سلامة عقيدتي لأخي المسلم كيف؟ وأنا مطمئن بالإيمان إيمان الولاء للمسلمين، وهو يضعهم في ذلك الموقف الخاسر أمام أهل الردة والكفر.

إن دعوى سلامة القلب لا تنفع مع هذا الإكراه لأن الفعل ضعضع هذه الدعوى، وضعفت الموالاة بين المسلمين عند وضع المسلم أمام الكفار يسومونه سوء العذاب.

فلا قياس معتبر أبدًا بين الحالتين، ولكنه وسواس الشياطين، وقلة العلم ونقص الإيمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فإن كان الأقل من ذلك حرام مثل غيبة المسلم والطعن فيه، أو ضربه، أو سبه بأقل كلمة تؤذيه، فما بالك بغيره؟.

إن تجويز إيقاع المسلم في أيدي الكفار وضربه وإيذائه وسبه وسب دينه وربه ونبيه وأن يفعل فيه الفحش من الأعمال، ويصل الحد إلى القتل بحجة الإكراه، إنما هو قياس باطل وقول ردي وفتوى ضلالة.

فيا عبد الله أحذر من ذلك، وعليك بالحق المبين، وأن تكون كبش فداء لإخوانك المؤمنين وتقدم الروح والمال في سبيل الله لأجل إخوانك.

والله لبذل الروح أهون عندنا من أن يقع مسلم بين أيدي الكفار أو حتى يقال له كلمة واحدة من فم نجس كافر فيها إهانة لمسلم.

يقول القرطبي رحمه الله تعالى: (أجمع العلماء على أن من أ ُكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة) .

ويذكر رحمه الله أيضًا:(وذكر عبد الملك بن حبيب قال: حدثني معبد، عن المسيب بن شريك، عن أبي شيبة قال: سألت أنس بن مالك عن الرجل يُؤخذ بالرجل، وهل ترى أن يحلف ليتقيه بيمينه؟ فقال: نعم. ولأن أحلف سبعين يمينًا وأحنث أحب إليَّ من أن أدُلَّ على مسلم"."

وقال إدريس بن يحيى: كان الوليد بن عبد الملك يأمر جواسيس يتجسسون الحلق يأتونه بالأخبار. قال: فجلس رجل منهم في حلقه رجاء بن حيوة، فسمع بعضهم يقول في الوليد، فرفع ذلك إليه، فقال: يا رجاء أُذكر بالسوء في مجلسك ولم تغيّر؟ فقال: ما كان يا أمير المؤمنين؟ فقال له الوليد: قل: الله الذي لا إله إلا هو، فقال: الله الذي لا إله إلا هو. فأمر الوليد بالجاسوس فضربه سبعين سوطًا، فكان يلقى رجاءً فيقول: يا رجاء بك يستقي المطر وسبعون سوطًا في ظهري، فيقول رجاء: سبعون سوطًا في ظهرك خير لك من أن يقتل رجل مسلم) . تفسير القرطبي عند تفسيره آية الإكراه.

وفي فتح الباري، كتاب الإكراه، يقول ابن حجر العسقلاني رحمه الله:"فقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: انعقد الإجماع على أن المكره على القتل مأمور باجتناب القتل والدفع عن نفسه، وأنه يُأثم إن قتل من أُكره على قتله، وذلك يدل أنه مكلف حالة الإكراه، ويقول أيضًا: ولا يجوز لأحد أن ينجي نفسه من القتل بأن يقتل غيره"انتهى.

ويقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله في كتاب (جامع العلوم والحكم) عند الحديث التاسع والثلاثين:"واتفق العلماء على أنه لو أكره على قتل معصوم لم يصح له أن يقتله، فإنه إنما يقتله باختياره افتداءً لنفسه من القتل، هذا إجماع من العلماء المعتد بهم"انتهى.

فهذه الإجماعات تؤكد ما ذكرنا من حرمة أذية المسلم بالقتل أو ما دونه ولو مع الإكراه، فكيف يحل للمسلم أن يوقع غيره فيما هو فيه من التعذيب أو السجن؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت