فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 101

يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا أُجْرِيَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ" [مجموع الفتاوى ج 28 ص 418] . يعني منكرًا ونكيرًا. فهذا في الرباط فكيف الجهاد؟."

وقال ابن قدامة الحنبلي: [قال أبو عبد الله ـ أحمدُ بن حنبلٍ ـ لا أعلم شيئا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد] [روى هذه المسألة عن أحمد جماعة من أصحبه] قال الأثرم: قال أحمد لا نعلم شيئا من أبواب البر أفضل من السبيل، وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله وذُكِرَ له أمرُ الغزو فجعل يبكي ويقول ما من أعمال البر أفضلُ منه، وقال عنه غيره: ليس يَعْدِل لقاء العدو شيءٌ ومباشرة القتال بنفسه أفضل الأعمال، والذين يقاتلون العدوَ هم الذين يَدْفَعون عن الإسلام وعن حريمهم فأي عمل أفضل منه؟ الناس آمنون وهم خائفونَ قد بذلوا مُهَجَ أنفسهم ـ إلى قوله ـ ولأن الجهادَ بذلُ المهجةِ والمال ونفعه يعم المسلمين كلهمْ صغيرَهم وكبيرَهم، قويَهم وضعيفَهم، ذكرَهم وأنثَاهم، وغيره لا يساويه في نفعه وخطره فلا يساويه في فضله وأجره. [المغني والشرح الكبير جـ10 صـ 368 - 369] .

ولذلك ينبغي ألا يتعلل مسلم بانشغاله في الطاعات الأخرى للقعود عن التدريب والجهاد، بل هذا من تلبيس الشيطان، وهي العقبة السادسة من العقبات التي يضعها الشيطان في طريق العبد كما ذكرها ابن القيم، فالعقبة الأولى محاولة ايقاعه في الكفر، والثانية في البدع، والثالثة في الكبائر، والرابعة في الصغائر، والخامسة في شغله بالمباحات عن الطاعات، قال ابن القيم: [العقبة السادسة: وهي العقبة المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها، وحَسَّنها في عينه، وزَيَّنها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسبًا وربحا، لأنه لَمَّا عجز عن تخسيره أصل الثواب طمع في تخسيره كَمَاله وفضله، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل وبالمرجوح عن الراجح وبالمحبوب لله عن الأحب إليه وبالمرضي عن لأرضى له ـ إلى قوله ـ وفي الحديث الآخر «الجهاد ذروة سنام الأمر» ـ إلى قوله ـ ولا يقطع هذه العقبة إلا أهل البصائر والصدق من أولي العزم، السائرون على جادة التوفيق قد أنزلوا الأعمال منازلها وأعطوا كل ذي حق حقه. [مدارج السالكين ج 1 ص 222 ـ 226] .

فهذا إيضاح في مسألة تفاضل الأعمال وهو أصل مقرر في عقيدة أهل السنة: يدل عليه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ" [رواه مسلم عن أبي هريرة] . والإيضاح الثاني هو أنه لا ينبغي للمسلم أن يحزن إذا عجز حين التدريب والجهاد عن المواظبة على ما اعتاده من النوافل كالتلاوة والذكر والصلاة والصيام، فأجر ذلك كله يجري عليه إن شاء الله تعالى، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا" [رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري] .

ويجب على كل من يسر الله له أمر التدريب والجهاد أن يحمد الله تعالى على هذه النعمة التي حُرِمَ منها الكثيرون، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ" [رواه البخاري عن عبد الرحمن بن جبير] . وقال - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" [رواه أبو داود والترمذي وحسنه عن معاذ] . إلا أن الثواب في هذه الأحاديث معلق على انتفاء المانع في حق صاحبه، فقد رأينا رجالًا قاتلوا في حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال عنهم إنهم في النار، وكذلك حديث الذي قاتل ليقال عنه أنه جريء، والمانع قد يكون حَالًا يعرض للمسلم حال جهاده كالرياء والعجب والمن والخيانة والغلول، وقد يكون آجلًا يعرض له بعد الجهاد فيما بقي من حياته، كما ورد في حديث الصادق المصدوق عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا"فَوَالله الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا" [متفق عليه] . وقال - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ" [رواه البخاري] . وقال ابن حجر في شرحه: [قال ابن بطال: في تَغْيِيب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة وتدبير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت