فقال أهل الشبهة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتكلم عن دل الجليس على الغلام، وكذلك الغلام على الراهب، فهذا السكوت دليل على إقراره، وهذه رخصة منه - صلى الله عليه وسلم -.
نقول ولله الحمد وعليه التكلان: سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم -، لا يدل على الإقرار وذلك أن التحريم جاء في نصوص أخرى.
ومع هذا قد يسكت الشارع عن أمور في مواطن يكون قد فصلها في مواطن أخرى كما في قوله تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ:13] يعملون التماثيل وهي الصور المجسمة من النحاس وغيره، فهل هذا يعني أن الله عندما سكت عنها في هذا الموضع أحلها -لهذه الأمة -؟ لا ولكن وردت نصوص أخرى دلت على حرمتها كما قال - صلى الله عليه وسلم:"إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: احيوا ما خلقتم" [متفق عليه] .
ونقول أيضًا: هل شرع من قبلنا هو شرعٌ لنا؟ إنه يكون شرع لنا، إذا لم يخالف شرعنا، وفي هذه الحالة قد خالف شرعنا، كما ذكر في ذلك الإجماعات التي تحرم أذية المسلم للمسلم تحت الإكراه.
إن الله قد رخص لنا الكفر تحت الإكراه، ولم يكن هذا في شريعة من قبلنا، كما قال:"إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" [حديث حسن رواه ابن ماجة والبيهقي وغيرهما] [راجع جامع العلوم والحكم الحديث التاسع والثلاثون] وحديث الغلام دل على ذلك فهم دل بعضهم على بعض لأن الله رخص لهم، ولم يرخص لهم في الكفر تحت الإكراه، بل أن في الحديث أن الناس قتلوا أفواجًا، أفواجًا، حتى أن الصغير تحدث لأمه لكي ترمي نفسها في النار ولا تتقاعس، فدل ذلك على أن الذي يكفر في حالة الإكراه يكون كافرًا، وهذا في شريعة من قبلنا.
وفي هذه الأمة تغيرت الأحكام، ورخّص الله تعالى في الكفر بعد الإكراه، وحرّم أذية المسلم للمسلم تحت الإكراه، وذلك أن الله تعالى يعلم ما في القلوب فجعل رخصة الإكراه في الكفر متعلقة به سبحانه لأنه يعلم من يكفر ومن لا يكفر، وعلق هذه الرخصة بعقيدة القلب التي يعلمها سبحانه.
والثانية هي متعلقة بالبشر، والبشر لم يكلفهم الله تعالى إلا بالظاهر، فكيف يعرف المسلم أن أخاه لم يقصد إيذاءه، وهو يراه يدل عليه، ويسلط الكافر عليه، وعلى محارمه، وعلى ماله، وعلى إخوانه؟!، فكيف يحصل ذلك وهو مكلف بالظاهر، وكذلك لا توجد رخص له في فعل ذلك أبدًا، والله قد علم ما سيحصل في مثل هذه الرخص من المفاسد فحرّمها، والله أعلم.
فالحمد الله الذي أعزنا بالإسلام، فاللهم أعز الإسلام بنا.