الخدعة في الحرب جائزة للمبارز وغيره. لما روى عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الحرب خدعة" [1] . فيباح لقائد الجيش أن يخادع العدو بأي وسيلة كانت ما دامت تحقق له الظفر والنصر على العدو، ويباح أيضا لأي فرد من أفراد الجيش مخادعة العدو ما دامت في مصلحة المسلمين. فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاءه نعيم بن مسعود بن عامر فقال: يا رسول الله، إني أسلمت وقومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة. فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم. قالوا: صدقت لست عندنا بمنهم، فقال: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، والبلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم. لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونوا بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه فقالوا: لقد أشرت بالرأي. ثم خرج حتى أتى قريشا، فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش قد عرفتم ودى لكم وفراقي محمدا، وإنه قد بلغني أمرا قد رأيت عليّ حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا عني، فقالوا: نفعل. قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد. وقد أرسلوا إليه. إنا قد ندمنا على ما فعلنا. فهل نرضيك أن نأخذ لك من القبليتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقى منهم حتى تستأصلهم؟ فأرسل إليهم: أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا. ثم خرج حتى أتى غطفان. فقال: يا معشر غطفان، إنكم أصلي وعشيرتي، وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهموني. فقالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم. قال: فاكتموا عني. قالوا: نفعل. فما أمرك؟ ثم قال لهم مثل ما قال لقريش
(1) أخرجه البخاري في صحيحه / كتاب الجهاد / باب الحرب خدعة 4/ 80، ومسلم في صحيحه / كتاب الجهاد / باب جواز الخداع في الحرب 2/ 72.