أما الكتاب فمنه:
قوله تعالى (فإما منا بعد وإما فداء) [1] .
فهذه الآية تدل على جواز المن والفداء على الأسير [2] .
وقد نوقشت: بأن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) [3] ولم يختلف أهل التفسير ونقلة الآثار أن سورة براءة بعد سورة محمد، فوجب أن يكون القتل أو الجزية ناسخا للمن أو الفداء [4] .
وأجيب: بأنه لا يعول على النسخ إلا عند التعارض وحيث أمكن الجمع بينهما فلا نسخ، فيحمل القتل على حال القتال، والمن والفداء بعد الأسر وانقضاء القتال.
وأما السنة فمنها:
ما روى عن السيدة عائشة رضي الله عنهما قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة أدخلتها بها على أبي العاص، قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رقّ لها رقة شديدة، وقال:"إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها، فقالوا: نعم" [5] .
وجه الدلالة:
هذا الحديث يدل على جواز الفداء والمن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من أهل مكة مال نظير إطلاق سراحهم، ومن عليه الصلاة والسلام على أبي العاص زوج ابنته زينب رضي الله عنها وعنه، ولو لم يكن المن جائزا لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم.
(1) من الآية 4 من سورة محمد.
(2) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 9/ 6277 وما بعدها، مفاتيح الغيب 14/ 254.
(3) من الآية 5 من سورة التوبة.
(4) أحكام القرآن للجصاص 3/ 392.
(5) أخرجه أبو داود في سننه / كتاب الجهاد / باب في فداء الأسير بالمال 3/ 62 رقم 3692.