ورد عليه: بأنه لما جاز قتل النفوس وهي أعظم حرمة من هذه الأشياء لكسر شوكتهم فما دونها من تخريب البنيان وقطع الأشجار أولى [1] .
وبهذا نجد أن الفقهاء قد سلكوا مسلكين؛ فمنهم من ظن أن فعل أبي بكر ووصيته بعدم إتلاف أموال الأعداء لعلمه ينسخ فعل النبي صلى الله عليه وسلم من إتلاف أموال العدو، لأنه لا يجوز لأبي بكر أن يخالف النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بفعله، أو رأى أن التغريق والإحراق كان خاصا ببني النضير لغزوهم قال بقول أبي بكر وهم أصحاب الرأي الثاني.
ومنهم من اتبع فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولم ير قول لأحد ولا فعله حجة عليه قال: بتحريق الشجر وقطعه وغير ذلك من الإتلاف [2] . وهم أصحاب الرأي الأول وهو الراجح. ما دام إتلاف أموال العدو يحقق النصر والغلبة للمسلمين ويكبت الكفار ويغيظ قلوبهم، ويقلل من عزمهم على القتال.
اتفق الفقهاء [3] على أنه يحل في الحرب قتل كل من هو أهل للقتال سواء أقاتل أم لم يقاتل، فيقتل الرجل البالغ العاقل، والقسيس [4] الذي يخالط الناس والذي يجن ويفيق والأصم والأخرس، وإن لم يقاتلوا، لأنهم من أهل القتال، ويجوز قتل من ليس من أهل القتال إذا قاتل حقيقة أو معنى بالرأي والطاعة والتحريض.
فالقتال حقيقة: يكون بالمشاركة، فإذا قاتلت النساء والصبيان وكل من لا يحل قتله، جاز قتلهم أثناء القتال.
(1) شرح كتاب السير الكبير 1/ 43.
(2) انظر بداية المجتهد 1/ 282.
(3) البحر الرائق 5/ 84، بدائع الصنائع 7/ 101، الخرشي 3/ 112، مواهب الجليل 3/ 352، حاشيتا الشرواني وابن قاسم العبادي 9/ 241، نهاية المحتاج 8/ 64، الأحكام السلطانية للفراء ص 43، شرح منتهى الإرادات 2/ 96، المحلى 7/ 296، شرح الأزهار 4/ 540. شرائع الإسلام 1/ 312.
(4) القسيس: رئيس من رؤساء النصارى في الدين والعلم.