دار الحرب لا تخلو من وجود مسلمين فيها، فإذا تترس بهم العدو أثناء القتال واتخذوهم درعا واقيا لهم من القتال، وهم يحاربونا من خلفهم، فهل يباح لنا رمي العدو في هذه الحالة، وإن أدى إلى قتل المسلمين؟
للفقهاء في ذلك رأيان:
الرأي الأول: ذهب جمهور الفقهاء [1] الحنفية والمالكية والشافعية في أصح قوليهم والحنابلة والزبدية والإمامية إلى أنه يجوز رمي المسلمين أثناء القتال سواء كان المسلمون داخل حصون العدو أسرى أم تجارا أم متترسًا لهم عند الضرورة، ويقصد بالرمي الكفار دون المسلمين ويتوقاهم بقدر الإمكان.
وذلك لأن مفسدة الإعراض عن رميهم أعظم من مفسدة الإقدام، لأن ترك قتال الكفار لوجود بعض المسلمين بينهم يؤدي إلى تعطيل الجهاد.
الرأي الثاني: ذهب الشافعية في القول الثاني والأوزاعي والليث [2] إلى أنه لا يجوز رمي المسلمين، وإن لم يقدر على الكفار إلا بذلك.
قال الليث [3] : ترك فتح حصن يقدر على فتحه أفضل من قتل مسلم بغير حق.
وقال الأوزاعي [4] : كيف يرمون من لا يرونه؟ إنما يرمون أطفال المسلمين.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم [5] فتصيبكم منهم معرة [6] بغير علم) [7] .
(1) البحرا الرائق 5/ 84، حاشية الدسوقي 2/ 178، الأم 4/ 414، شرح منتهى الإرادات 2/ 97، السيل الجرار 4/ 533، اللمعة الدمشقية 2/ 393.
(2) حاشية الشرواني وابن قاسم العبادي 9/ 242، المغني 9/ 277.
(3) المغنى 9/ 277.
(4) المرجع السابق.
(5) تطئوهم: تهلكوهم مع الكفار.
(6) معرة: مكروه ومشقة أو سبّة.
(7) من الآية 25 من سورة الفتح.