من الترك، كان جيء بأسارى من الترك، فأمرهم بهم أن يسترقوا، فقال رجل ممن جاء بهم: يا أمير المؤمنين لو كنت رأيت هذا - يشير إلى أحدهم - وهو يقتل المسلمين لكثر بكاؤك عليهم، فقال عمر: فدونك فاقتله فقام فقتله [1] .
فهذا الأثر يدل على أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز لم يقتل غير أسير واحد لكثرة قتله في المسلمين، فدل على جواز القتل ما دمت فيه مصلحة المسلمين، لأن مثل هذا لا يتألف على الدخول في الإسلام، ولا يأمن جانبه لكي يستبقيه ولا يطلقه سواء بفداء أو بغيره لئلا يعود حربا على المسلمين.
وأما المعقول: أن المصلحة قد تكون في قتل الأسرى لما فيه من استئصالهم وحسم مادة الفساد فكان ذكلك للإمام حسب ما يرى فيه تحقيق المصلحة [2] .
أما الأدلة على جواز الاسترقاق فقد سبق ذكرها.
أما المن فقد أجازه جمهور الفقهاء ومنعه الحنفية وكذلك الفداء منعوه على المشهور عندهم.
واستدل الحنفية على منعهم للمن والفداء بقوله تعالى (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) [3] وأنها ناسخة لقوله تعالى (فإما منا بعد وإما فداء) لأن سورة براءة نزلت بعد سورة محمد فالحكم فيها بقتل الأسرى أو بذلهم للجزية ناسخ للحكم في سورة محمد بالمن أو الفداء [4] .
وقد نوقشت:
بأن القول بأن سورة براءة آخر القرآن نزولا لا يعتد به، فإن آخر آية نزولا منها لا يدل على أنها نزلت جملة آخرا، لأن السورة لم تنزل جملة واحدة، وإن كان ما يقولون، فإنا
(1) أخرجه عبد الرازق في مصنفه / كتاب الجهاد / باب قتل أهل الشرك صبرا وفداء الأسرى 5/ 205 - 206 / رقم 9392.
(2) بدائع الصنائع 7/ 119، شرح فتح القدير 5/ 219.
(3) من الآية 5 من سورة التوبة.
(4) أحكام القرآن للجصاص 2/ 392.