فإن قيل: أما اختلاف المعبودين فلا شبهة فيه، فما الوجه في اختلاف العبادة؟ قلنا:
إنه صلى الله عليه وآله كان يعبد من يخلص له العبادة ولا يشرك به شيئا، وهم يشركون، فاختلفت عباداتهما [1] ، ولأنه أيضا كان يتقرّب إلى معبوده بالأفعال الشرعية التى تقع على وجه العبادة، وهم لا يفعلون تلك الأفعال، ويتقربون بأفعال غيرها، يعتقدون جهلا أنها عبادة وقربة.
/ فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ، وظاهر هذا الكلام يقتضي إباحتهم المقام على أديانهم؟ قلنا في هذا ثلاثة أجوبة: أولها أن ظاهر الكلام وإن كان ظاهره إباحة فهو وعيد ومبالغة في النهى والزجر؛ كما قال تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ؛ [فصلت: 40] . وثانيها أنه أراد لكم جزاء دينكم، ولي جزاء دينى، فحذف الجزاء لدلالة الكلام عليه، وثالثها أنه أراد لكم جزاؤكم ولي جزائى؛ لأن نفس الدين هو الجزاء؛ قال الشاعر:
إذا ما لقونا لقيناهم … ودنّاهم مثل ما يقرضونا
فأما التكرار في سورة الرحمن فإنما حسن للتقرير بالنّعم المختلفة المعدّدة، فكلما ذكر نعمة أنعم بها قرّر عليها [2] ، ووبّخ على التكذيب بها؛ كما يقول الرجل لغيره: ألم أحسن إليك بأن خولتك الأموال! ألم أحسن إليك بأن خلّصتك من المكاره! ألم أحسن إليك بأن فعلت بك كذا وكذا! فيحسن منه التكرير [3] لاختلاف ما يقرره به، وهذا كثير في كلام العرب وأشعارهم
قال مهلهل بن ربيعة يرثى أخاه كليبا [4] :
(1) ف، حاشية ت (من نسخة) : «عبادتاهما» .
(2) ت، ف: «بها.
(3) حاشية ت (من نسخة) : «التكرار» .
(4) من قصيدة مشهورة، مطلعها:
أليلتنا بذى حسم أنيرى … إذا أنت انقضيت فلا تحورى
وهى فى (أمالى القالى 2: 129 - 133) وفى حواشى الأصل، ت، ف: «قبل هذا البيت:
وهمّام بن مرّة قد تركنا … عليه القشعمان من النّسور