وأخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنى عليّ بن هارون عن عمه يحيى بن عليّ عن عمر بن شبّة قال حدّثني خلّاد الأرقط قال قال بشار: بلغنى أن رجلا كان يقرأ القرآن وحمّاد ينشد الشعر، فاجتمع الناس على القارئ فقال حمّاد: علام تجتمعون؟ فو الله ما أقول [1] أحسن مما يقول! فمقته الناس على هذا.
وروى ابن شبّة عن أبى عبيدة قال: كان حمّاد عجرد يعيّر بشارا بالقبح؛ لأنه كان عظيم الجسم، مجدورا، طويلا، جاحظ العينين، قد تغشّاهما لحم أحمر؛ فلما قال حماد فيه:
والله ما الخنزير في نتنه … بربعه في النّتن أو خمسه
بل ريحه أطيب من ريحه … ومسّه ألين من مسّه
ووجهه أحسن من وجهه … ونفسه أفضل من نفسه
وعوده أكرم من عوده … وجنسه أكرم من جنسه
/ فقال بشار: ويلى على الزّنديق! لقد نفث بما في صدره، قيل: وكيف ذاك؟ قال:
ما أراد الزّنديق إلا قول الله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ [التين: 4] ، فأخرج الجحود بها مخرج هجائى، وهذا خبث من بشار وتغلغل شديد لطيف.
وأول من جعل نفى الإلحاد تأكيدا للوصف به، وأخرج ذلك مخرج المبالغة مساور الوراق في حمّاد عجرد فقال:
لو أنّ مانى وديصانا وعصبتهم … جاءوا إليك لما قلناك زنديق
أنت العبادة والتّوحيد مذ خلقا … وذا التّزندق نيرنج مخاريق [2]
فأما ابن المقفع [3] فإنّ جعفر بن سليمان روى عن المهدىّ أنه قال: ما وجدت كتاب
(1) ش: «لما أقول» .
(2) توفى حماد عجرد سنة 161؛ (وانظر ترجمته في ابن خلكان 1: 165 - 166) .
(3) حاشية ف: «هو الّذي يقول:
قد سلم السّاكت الصّموت … كلام راعى الكلام قوت
لا تفش سرّا إلى جدار … فربّما نمّت البيوت
وا عجبا لامرئ ضحوك! … مستيقن أنّه يموت.