فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 1078

إليه نفسه؛ ومعلوم أن التاجر لم يرد في الحقيقة شيئا، ولا العليل [1] أيضا، لكن لمّا كان المعلوم من حال هذا الخسران، ومن حال هذا الهلاك حسن هذا الكلام، واستعمل ذكر الإرادة لهذا الوجه [2] . وكلام العرب وحى وإشارات واستعارات ومجازات [3] . ولهذه الحال كان كلامهم في المرتبة العليا من الفصاحة؛ فإنّ الكلام متى خلا من الاستعارة [4] ، وجرى كلّه على الحقيقة كان بعيدا من الفصاحة، بريّا من البلاغة، وكلام الله تعالى أفصح الكلام.

/ والوجه الرابع: أن تحمل الآية على التّقديم والتأخير؛ فيكون تلخيصها: إذا أمرنا مترفى قرية بالطاعة فعصوا واستحقوا العقاب أردنا إهلاكهم؛ والتقديم والتأخير في الشعر وكلام العرب كثير. ومما يمكن أن يكون شاهدا

لصحة هذا التأويل من القرآن قوله تعالى:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ [المائدة: 6] ، والطهارة إنّما تجب قبل القيام إلى الصلاة، وقوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [النساء: 102] ، وقيام الطائفة معه يجب أن يكون قبل إقامة الصلاة؛ لأن إقامتها هى [5] الإتيان بجميعها على الكمال.

فأما قراءة من قرأ الآية بالتّشديد فقال: أَمْرِنا [6] ، وقراءة من قرأها بالمدّ

(1) كذا في الأصل، د، وحاشية ت (من نسخة) ، وفى ت، ف: «المريض» .

(2) فى حاشيتى الأصل، ت: «تصوير المجاز في الآية على أن التقدير: إذا قرب هلاك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا؛ وكذلك قولهم: إذ أراد المريض ... التقدير: إذا قرب موت المريض خلط، وكذلك التاجر إذا قرب افتقاره أتته النوائب؛ وهذا كقوله تعالى: فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ؛ أى يقرب أن ينقض؛ وإنما كنى بالإرادة عن القرب في هذه المواضع لأن المريد للشيء، المخلى بينه وبينه- ولا مانع هناك- ما أقرب ما يقع مراده، والله أعلم» .

(3) حاشية الأصل: «الإرادة قد تستعمل في الجماد فضلا عن العقلاء؛ كقوله تعالى: جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ؛ وكقول الراعى النميرى:

فى مهمه قلقت به هاماتها … قلق الفئوس إذا أردن نصولا.

(4) كذا في الأصل، وحاشية ت (من نسخة) ، وفى ت: «وإن كان الكلام متى خلا من الاستعارة» ، وفى ف: «فإن كان الكلام متى خلا من الاستعارات» .

(5) حاشية ت (من نسخة) : «هو الإتيان» .

(6) هى قراءة شاذة، عن أبى عثمان النهدى، والليث عن أبى عمرو، وأبان عن عاصم. (وانظر القراءات الشاذة لابن خالويه 75)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت