فهرس الكتاب

الصفحة 992 من 1078

والشعر القديم والمحدث مملوء من ذلك، قال البحترىّ:

ولو شئت يوم الجزع بلّ غليله … محبّ بوصل منك لو ينفع الوصل [1]

وإنما أراد: لو ينفع الوصل لنفعنى وبلغنى منيتى؛ وما أشبه ذلك؛ ومثله قوله:

وتعجبت من لوعتى فتبسمت … عن واضحات لو لثمن عذاب

وأنت إذا تأملت ضروب المجازات التى يتصرف فيها أهل اللسان في منظومهم ومنثورهم وجدتها كلّها مبنية على الحذف والاختصار؛ ولأن قوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ؛ [الفجر: 22] ؛ وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ؛ [يوسف: 82] مما الحذف فيه ظاهر.

وإنما كان الكلام أبلغ وأفصح؛ لأن كلامه قلّل بحذف بعضه ومعانيه بحالها؛ وكذلك قولهم في المدح: فلان البدر، والبحر، واللّيث؛ وفى الذم: هو الحمار، والحائط؛ إنما هو مبنىّ على الحذف، لأن المراد هو مشبه ومماثل لما ذكر؛ فأسقط من الكلام ما يقتضي التشبيه؛ لدلالة القول عليه.

فإن قيل: فإذا كانت الفصاحة هى الاختصار، فكيف قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11] ؛ فزاد الكاف؛ ولا معنى لها إلا الفصاحة؛ فقد صارت الفصاحة بالزيادة كما كانت بالنقصان!

قلنا: دخول الكاف هاهنا ليست على سبيل الزيادة التى لو طرحت لما تغيّر المعنى؛ بل تفيد بدخولها ما لا يستفاد مع خروجها؛ لأنه إذا قال: «ليس مثله شيء» جاز أن يراد من بعض الوجوه، وعلى بعض الأحوال؛ فإذا دخلت الكاف فهم نفى المثل على كل وجه؛ ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال: ليس كمثله أحد في كذا بل على الإطلاق والعموم.

وبمثل هذا الجواب نجيب من يسأل عن قولهم: ما إن في الدار زيد؛ لأنه لو قال:

ما في الدار زيد لجاز أن يكون نفيه لكونه فيها على وجه دون وجه؛ فإذا قال: «ما إن» فهم نفى كونه على كل حال؛ وهذا يدلّ على أنها مفيدة غير زائدة.

(1) ديوانه: 2: 163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت