-ما للدمشقيين لا يبنون هنا، ويقيمون على هذا السفح حيًا لا يكون مثله مصيف في الدنيا ولا مشتى؟
فما بقي منهم إلا من وثب الضحك إلى شفتيه، وهم بقهقهة مجلجلة، ولكنه أمسك حرمة للوالي، وحياء منه، وقالوا له:
-ولكن يا مولانا، من يرضى أن يقيم في هذا المنفى ويسكن في جبل أجرد، لا ماء فيه ولا نبات، ويسافر كل يوم ساعة كاملة، ليصلي في الأموي، أو ليرد السوق؟
فأطرق الوالي يفكر ويجيل عقله الكبير وعزمه النافذ في كافة الممكنات ليجعل من هذه السفوح القاحلة أجمل حي في اجمل مدينة، ويحيل هذه الرمال رياضًا تجري من تحتها الأنهار!
ثم انقطع الفلم ودار ابيض يحمل أيامًا وسنين خالية لا شيء فيها ثم وضحت فيه صورة. . .
فإذا هو يرى حادثة كريد (اقريطش) حين غدرت أوربا - على عادتها دائمًا - بالمسلمين، وشردت أهل الجزيرة من آمن منهم بالله واليوم الآخر بين سمع الأرض وبصرها، فدعا بهم ناظم باشا والي الشام وجمعهم وبنى لهم من أموال الدولة بيوتًا صغيرة متشابهة، متشابهة كمحطات القرى، ضيقة كغرف الخفراء، بناها على سفح قاسيون فكان لهم عصمة ومأوى، وكانت للحي الذي يحلو بذرة ونواة
ثم استدار الفلم وإذا بدمشق خارجة تستقبل إمبراطور ألمانيا وقد جاء يزورها زيارته المشهورة، ففرشت له الحكومة الحرير وأوطأته الديباج، فلم يطلب من ناظم باشا إلا أن يزيره الجبلين العظيمين والأثرين الخالدين: قاسيون، وقبر صلاح الدين! فانطلق العملة والبناءون يقيمون له على سفح قاسيون (المسطبة) التاريخية التي تدعى اليوم وإلى الغد (مسطبة الإمبراطور) ويمهدون له الطريق إلى مقبرة صلاح الدين في الكلاّسة
وهناك في أصل جدار الأموي الشامخ، وعلى هذه العتبة الواطئة وقف إمبراطور ألمانيا، وأعظم ملوك العصر، مطأطئ الرأس خاشعًا خاضعًا، ثم ركع على ركبتيه، ثم سار حبوًا حتى وصل إلى جانب القبر، فوضع عليه إكليلًا من الزهر، وقال:
-هذه لك يا سيد أبطال العالم