فإذا تدبروه فهم معي مسلمون. فإذا أسلموا فهم أمة وسط، وما داموا أمة وسطًا فعليهم أن يراعوا العقل والخلق في فنهم فيجعلوا لهما فيه نصيبًا، وعليهم أن يراعوا الحس والخلق في علمهم فيجعلوا لهما فيه نصيبًا، وعليهم أن يراعوا الحس والعقل في فضائلهم فيجعلوا لهما فيها نصيبًا. وهذا يحدث عفو خاطرهم بدون تدبر وبدون اختيار إذا كانوا مسلمين. فالإسلام هو دين الفطرة، كما أن الفن الصحيح السليم هو فن الفطرة، وكما أن العلم النافع هو علم الفطرة الذي يعلمه الله الناس سواء أكانوا أميين أم كانوا قارئين كاتبين، وكما أن الخلق القويم هو خلق الفطرة الذي يصدر عن الإنسان عفوًا من غير تدبير ومن غير اختيار.
وبعد أن رأينا للفطرة هذا الجلال وهذا الخطر، فإنه قد يعارضنا هنا سؤال له محل من التفكير، فقد يقول لنا قائل: أليس من فطرة الإنسان أن ينزع أحيانًا إلى ما تستنكره الأخلاق، والى ما يزور عنه العقل، فإذا لبى هذا النزوع بالفن كان فنه فطريًا، ولكنه مع هذا لم يكن متمشيًا مع الإسلام الذي وإن كان دين الفطرة فهو يرسم قيودًا، ويقيم من الأخلاق حراسًا على هذه القيود؟ وجوابنا على هذا السؤال هو أن النزوع بالفن إلى ما تنكره الأخلاق ما ينكره العقل ليس نزوعًا فطريًا، وإنما نزوع فيه شيء من النقص يعتري صاحبه إذ ينسى غيره، وإذ ينزع بالفن إلى تلبية إحساسه والتعبير عنه، فهو بهذا الفن يرضي نفسه وحدها، وفي ساعة عاجلة من ساعات حياته هو، فهو لا يحس بمستقبله ولا يفكر فيه، ولا يحس صلته بغيره ولا يفكر فيها، ولا يحس آثره في غيره ولا يفكر فيه.
ونحن لا نستطيع أن ننكر أن هذا الضرب من الفن. . . فن. ولكنه فن جامح ينظمه صاحبه من حبات نفسه ليرضى به هو وحده. ونحن إذا تأملنا ألوان الفن التي ينكرها العقل لم نجد غير الخرافات الفنية، وهي لا تؤذي الإنسانية في شيء إلا إذا حاول فنان خداع مقنع بالحيلة أن يحمل الناس على أن يؤمنوا بأنها حقيقة واقعة، ولم يظهر في الدنيا فنان من هؤلاء إلا وخرج بخداعه عن دائرة الفن إلى دائرة النصب والاحتيال. وإذا تأملنا ألوان الفن التي ينكرها الخلق لم تجدها إلا لمامات تعرض لنواح من الحياة يكاد يعرفها الناس جميعًا، ويكادون يتذوقونها جميعًا، ويكادون يستطيعون أن يعبروا عنها جميعًا تعبيرًا لا يقل صدقًا ولا روعة عما يعبر به الفنانون عنها. فإن لم يتأت لجمهور الناس بالفعل التعبير عن