مررت به مرًا دقيقًا، وأن هذه الدقة كانت سببًا في ظهور أمر لم يكن أحد لينتبه إليه لولا أني لم استسغ ذلك، وذلك الأمر هو أن الذي فعل ذلك مع سعد وسعاد هو ابن أم الحكم لا مروان بن الحكم، كما جاء في بعض الروايات. ولا شك أن منشأ ذلك الخلاف بين الروايتين هو اشتباه الاسمين، والمعقول في هذا أن يشتبه اسم ابن أم الحكم باسم مروان بن الحكم، لأن الثاني أشهر من الأول، فمن القريب جدًا أن يكون بعض النساخ أبدله به، لأنه لم يسمع إلا باسم مروان بن الحكم
وقد ذكرت لصديقي الأستاذ الجندي أني لم أستسغ ذلك لمروان بن الحكم لأنه كان رجلًا كبيرًا يطمح إلى ما يطمح إليه كبار الرجال، ولا تدنو نفسه إلى مثل تلك الصغائر، ولم يكن كما قال الأستاذ رجلًا مفتونًا مدلًا، بل كان رجلًا عاقلًا ذا دهاء وسياسة، وقد اشتغل بالسياسة العالية وهو شاب صغير في خلافة عثمان رضي الله عنه، فكان فيها مشيره ووزيره، وقارع في ذلك أمثال علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله ومعاوية بن أبي سفيان، وما زال يطمح إلى أبعد الغايات ويعمل ليظفر بملك المسلمين حتى ظفر به وأسس دولة بني مروان الكبيرة فكان لها ما كان من الملك الكبير في الشام وغيره من البلاد الإسلامية، ثم بالأندلس التي نافست الدولة العباسية، فمثل هذا الرجل لا يستسيغ العقل أن يقع في تلك الصغيرة التي جاءت في تلك القصة، وإنما يستسيغ وقوع ذلك من أمثال ابن أم الحكم
وهذا إلى ما ذكرته في كلمتي الأولى هو منشأ اضطراب تلك القصة عندي، لا أنها موضوعة أو غير موضوعة كما نسب إلي الأستاذ الجندي، فإني لم أذكر ذلك أصلًا، ولا يمكن أن يقع فيه رجل يفهم شيئًا في الأدب. ولا زلت أرى أن تلك القصة موضوعة، وأنه لا فرق فيها بعد ذلك بين أن تكون واردة في كتاب تزيين الأسواق أو في غيره من الكتب التي يحتفل الأستاذ الجندي بروايتها، مع أن احتفاله بروايتها يناقض تردده في أنها موضوعة أو غير موضوعة، كما يناقض جزمه بوضع ما جاء فيها من الأشعار على لسان معاوية
وقد سكت الأستاذ الجندي عن دليلي على وضعها من هذا البيت الذي جاء فيها:
قد كنت تشبه صوفيًا له كتب ... من الفرائض أو آيات قرآن